كتاب الرأي

ثمانية وعشرون قصة قصيرة

 ✍️ تغريد مشعل القحطاني – كاتبه سعودية:

حين رفعت أمي الغطاء عن حقيبة جدتي الصغيرة لتفرغ ما فيها قبل أن تمتد إليها يد الصدقة، انفرطت أوراق نقدية عتيقة.

عدّتها بإمعان صامت.

ثمانية وعشرون ريالًا.

ما إن استقر العدد في سمعي حتى هبط في صدري ثقل موحش. لم تكن تلك الريالات تخصّها؛ بل كانت وديعتي المخبأة في أامن خزنة عرفتها، خزانة لا تملك يد في هذا العالم أن تطالها.

لم أتمالك صمتي.

انفجرت دمعةً لا معقب لها.

التفتت إليّ أمي بعينين يملؤهما الذهول، وضمتني إلى صدرها، غير مدركة أن الحقيبة لم تفضِ بما فيها فحسب، بل فتحت باباً لعمر كامل كان منسياً.

كانت جدتي “حسناء” قد عبرت عتبة المئة عام. امرأة أنهكها الدهر حتى تهاوى جسدها عن حمل نفسه، لكنها أبقت في صدرها سعةً تكفي لدفء عائلة بأكملها.

كانت تكرر في يقينها المرّ: “يهون الجوع، أما جوع الأبناء فلا”.

لهذا كانت تشتري الموز لبناتها، ثم تكتفي بإطالة النظر إليه. تحبه، لكنها تحرم نفسها منه، خشية أن ينقص ولا يكفيهم.

وحين كانت تستعيد أيام شبابها، كانت تعبر على نصف قرن من القسوة كما يعبر الغريب على درب انتهى؛ خمسون عاما، تُزوَّج وتُطلَّق، حتى أدركت حريتها متأخرة. ثم تلتها خمسون سنة أخرى من الكفاف والشقاء، قبل أن يستوطنها المرض، ويقعدها الشلل على ذلك السرير الصغير المرتكن إلى زاوية صالتنا.

وهناك.. التقيتها.

كنت أرجع كل يوم من المدرسة، وما إن يلامس صوت الباب أذنها حتى تنبض بالحياة، وتنادي بصوتها المرتجف:

— أعطوا بنتي الحلوة تأكل.

وإن غضبت مني أمي، غضبت هي أضعافاً، ودافعت عني بما تبقى لها من وميض في العظم، حتى كانت أمي تبتسم وتغض الطرف عن عقابي إكرامًا لذلك الحنان المتمرد.

وفي المساء، كانت ترتب العالم على حجرها. تحتضن دميتي، تهدهدها، وتتظاهر بإرضاعها حتى تخلد للنوم، فنضحك معاً ضحكة خفية لا يشاركنا فيها أحد.

ظننتُ أن الزمن سيقف عند تلك الزاوية للأبد.

لكن الصالة تغيرت بغتة.

اختفى السرير الصغير.

واختفى الصوت الذي كان يترصد عودتي كل ظهيرة.

ولم يعد أحد يسأل: “أعطوا بنتي الحلوة.”

رحلت جدتي.

ومنذ ذلك الفراغ، صار المرور بالصالة يعطيني شعوراً باتساع موحش ووحدة أثقل.

ظلت أمي تقلب مخلفاتها قطعة بعد قطعة، توزعها على نية الصدقة، حتى استقرت يدها على الحقيبة الصغيرة.

الحقيبة التي كانت صندوق أسراري الدفين.

وفي جوفها، كانت الثمانية وعشرون ريالًا تنتظرني تمامًا كما تركتها.

لم تنفقها في شظف العيش.

ولم تنسها في غمرة الغياب.

احتفظت بها، كما احتفظت بي طوال سنوات عمرها الأخير.

مسحت أمي دموعي، بينما كنت أضم تلك الريالات إلى صدري كمن يرتدّ إلى الحياة.

لم أكن أبكي المال.

كنت أبكي اليد التي حفظته لي بوفاء، ثم توارت خلف التراب.

 

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى