
✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني:
في قرية ساحلية قديمة ، ضربت العواصف الشاطئ لأسابيع متواصلة ، وتحطمت سفن الصيد ، وعجز الجميع عن مواجهة الأمواج العاتية ، اجتمع وجهاء القرية وأثرياؤها ، وقرروا تقديم جائزة كبرى (سفينة من أحدث طراز ومحملة بالبضائع) لمن يستطيع ابتكار حل ينقذ القرية ويعيد لشرائها الأمان.
وفي اليوم المحدد ، وقف الجميع في ساحة الميناء يعرضون ابتكاراتهم.
تقدم مهندس بارع وعرض مخططاً لحاجز أمواج ضخم يحمي الشاطئ.
تقدم بحار خبير واخترع بوصلة دقيقة تعمل في أحلك الظروف الجوية.
تقدم تاجر ثري وجلب أحدث الحبال والمراسِي القوية من إحدى البلدان البعيدة.
وسط هذا الصخب ، لاحظ قاضي القرية إمرأة عجوزاً تجلس على رصيف الميناء ، تشتعل يداها بآثار الحروق وتفوح منها رائحة الزيت والوقود ، وتنظر إلى الشبان الثلاثة بفخر.
اقترب القاضي منها وسألها: وأنتي أيتها الأم ، ألم تجلبي معكِ اختراعاً ينقذ سفننا؟
ابتسمت وقالت : يا سيدي ، أنا لا أملك مالاً ولا علماً بالهندسة. أنا المرأة التي تقطن في أعلى المنارة المهجورة على الصخرة البعيدة ، وهؤلاء الثلاثة الذين أبهروا القرية بعلمهم هم أبنائي.. طوال الأسابيع الماضية ، لم تنم عيناي ؛ كنت أجمع الحطب وأصب الزيت طوال الليل وأتحمل لهيب النار وحدي ، لكي تبقى المنارة مشتعلة ، فيرى أبنائي طريق الشاطئ ويعودوا إلى بيوتهم سالمين ليصنعوا لكم هذه الابتكارات!
عندها هتف القاضي : إن الجائزة ليست لمن صنع الأدوات ، بل لمن سهر الليالي ليحمي صناعها! سلموا السفينة لأم المنارة!
عزيزي القارئ
النجاح لا يولد من العدم ، خلف كل عالم ، ومهندس ، وقائد ، أم جعلت من نفسها منارة تحترق في الظل ليراهم العالم في النور ، فإذا انشغلت المنارة بالملذات التافهة ، ونامت عن واجبها ، تاهت السفن في ظلمات الحياة ، صلاح الأم هو الضوء الوحيد الذي يرشد الأبناء لبر الأمان والتميز.
للتواصل : [email protected]



