إسماعيل عليه السلام ومدرسة التعلم على البر

✍️أ د محمد شايع الشايع- أكاديمي وكاتب بجامعة الملك سعود :
ساقني إلى هذه الحكاية موقفٌ عظيم ظل يتردد في الوجدان منذ آلاف السنين؛ حين رفع نبي الله إبراهيم عليه السلام يديه إلى السماء يسأل ربه الذرية الصالحة، فاستجاب الله دعاءه بعد طول انتظار، ووهبه إسماعيل عليه السلام قرة عينٍ وامتداد أمل. لكن العجيب في القصة ليس أن الله رزقه الولد، بل ما جاء بعد ذلك. فبعد أن تعلقت به النفس وسكنت إليه الروح، ورأى فيه ثمرة العمر ودعوة السنين، رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ابنه. كان اختباراً يفوق الوصف، اختباراً يهز قلب الأب ويختبر إيمان الابن.
ولم يكن المشهد الأعظم في استعداد الأب للطاعة فحسب، بل في موقف الابن البار حين قال بكل رضا ويقين: «يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين». لم يجادل، ولم يغضب، ولم يرفع صوته بالاعتراض، ولم يبحث عن مخرج من أمرٍ يعلم أنه من عند الله، بل سلّم قلبه لله، وقدّم برَّه بأبيه وطاعته لربه على خوفه من نفسه. ومن هنا تبدأ حكاية الابن البار.
فإذا كان إسماعيل عليه السلام قد تجاوز اختبار الذبح، فكيف يعجز البعض في هذا الزمن عن تجاوز خلاف عابر، أو كلمة عتاب، أو خدمة بسيطة ينتظرها الوالدان منهم؟ وإذا كان ابنٌ صالح قد قدّم نفسه قرباناً لطاعة الله وبرّاً بأبيه، فكيف يستثقل البعض اليوم زيارةً قصيرة، أو اتصالاً دافئاً، أو وقفةً صادقة بجوار والديهم عند الحاجة؟
إن البر ليس هدية نقدمها للوالدين، بل هو عبادة وشرف يمنحه الله للأولاد. وليس عبئاً على الحياة، بل بركة تفتح أبواب الرزق والطمأنينة والتوفيق. وفي زمن تتزاحم فيه الأعمال وتتسارع فيه المصالح، تبقى قيمة البر هي المعيار الحقيقي لنجاح الإنسان. فالجامعات تصنع المعرفة، والشركات تصنع الثروة، والمحاكم تحفظ الحقوق، لكن بر الوالدين يصنع الإنسان نفسه.
إن العظماء لا يُعرفون بما جمعوا من حطام الدنيا، بل بما حفظوا من جميل آبائهم، وما ردّوه من فضلهم، وما تركوه من أثرٍ طيبٍ في وجوههم وقلوبهم. إنهم أولئك الذين جعلوا من برهم رحلةً يوميةً لا تتوقف، ومن كلماتهم مع والديهم بلسماً يداوي تعب السنين. فليكن البر هو عنواننا الأسمى، ولتكن سيرتنا مع والدينا هي الأثر الذي يبقى حين ترحل كل الآثار.
إننا في حواراتنا مع الوالدين غالباً ما نقع في فخ “الوعاءين”؛ وعاء العقل الذي يرى الوقائع بعين التجربة الحديثة، ووعاء العاطفة الذي يرى الأبوة كمرجعية مقدسة. تقع الإشكالية حين يتحدث الابن بلغة “الحقائق والأدلة” العلمية أو المهنية، بينما يفتش الوالدان في نبرة صوته عن “المعنى” وعن التقدير والمكانة. وحين يغيب هذا الإدراك، تتحول حواراتنا إلى ساحات استنزاف بدلاً من أن تكون مساحاتٍ للبر. إن نضج الابن البار يظهر في قدرته على الحفاظ على “رابطة الود” حتى عند الاختلاف في الرأي. فكم من ابنٍ خسر برَّ والديه لأنه أراد “الانتصار للفكرة”، محولاً الجلسة العائلية إلى ساحة جدل، متناسياً أن والده أو والدته لا ينتظران منه حجةً منطقيةً بقدر ما ينتظران منه “قلباً يحتويهما”. إن ممارسة “تقزيم الفكر” أو التشخيص النفسي أو التعالي الفكري على الوالدين هو خرقٌ لأدب البر، وهو سلوكٌ يُقصي الإنسان ويؤذي الروح، فمكانة الوالدين تسمو على أي خلاف في الرؤى أو التوجهات.
إن من التوفيق قدرة الابن أو الابنة على أن يظل باراً في كل محطة، مع إدراك أن العلاقة ليست “مبارزة” لإثبات التفوق الفكري، بل هي “محراب” لرد الجميل. إن كينونة الوالدين أسمى من أي خلاف فكري، ووزن الإنسان في نظرهما يكمن في احترامه لسنواتهما، وفي حفظ كرامتهما من خلال أدبه في الحديث، لا في دقة استدلاله. ومتى ما سقطت “الميانة” بين الابن ووالديه مع الحفاظ على كامل التوقير، فاعلم أنك في المسار السليم للبر، وعلى العكس متى ما ستخدم الوالدين التوقير والاحترام للأولاد فاعلم انك في مرحلة بعيدة عن البر وعن قلب والديك.
وفي الختام لنتذكر دائماً أن الأفكار قابلة للمراجعة، والمواقف قابلة للتغير، لكن الروابط الإنسانية هي الكنز الأغلى. فما أجمل الحوارات التي تنتصر فيها “قيمة الوالدين” دون أن نُهزم، ويُصان فيها أدب البر دون أن نكسر في قلوبهم شيئاً. فالأبناء العظماء لا يُعرفون بما جمعوا من معرفة، بل بما حفظوا من جميل آبائهم، وما ردّوه من فضلهم، وما تركوه من أثرٍ طيبٍ في حياة والديهم.
للتواصل : [email protected]



