كتاب الرأي

المرتفعاتُ المزدحمةُ بالساقطين…!!

"حين يحفظ الله عبداً من الغرور، فإنه لا يمنحه نعمةً فحسب، بل يمنحه القدرة على النجاة منها."

✍️ راضي غربي العنزي – كاتب سعودي:

من المفارقات التي تستحق التأمل أن السقوط لا يحدث دائمًا في الحفر، بل كثيرًا ما يحدث فوق القمم.

فبعض الناس يتعثرون وهم يصعدون، لكن آخرين يسقطون بعد أن يصلوا. هناك من يهزمه الفقر، وهناك من يهزمه الغنى. وهناك من تكسره الشدائد، وهناك من تكسره النعم. وبين هؤلاء وأولئك تتجلى حكمة الله العظيمة في ابتلاء عباده، فليس الامتحان دائمًا فيما يُنزع من الإنسان، بل قد يكون فيما يُمنح له.

ولهذا كان السلف الصالح يخافون من النعمة كما يخاف غيرهم من المصيبة، لا لأنهم يكرهون فضل الله، بل لأنهم يدركون أن كل زيادة تحمل معها سؤالًا خفيًا: ماذا ستفعل بك هذه النعمة؟

أستزيدك قربًا من الله أم تزيدك بعدًا؟ أتجعلك أكثر تواضعًا أم أكثر تيهًا؟ أتقربك من الناس أم ترفع بينك وبينهم الأسوار؟

ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله كلامًا يكتب بماء البصيرة قبل أن يكتب بالحبر، حين بيّن أن من علامات السعادة أن العبد كلما ازداد علمًا ازداد تواضعًا ورحمة، وكلما ازداد عملًا ازداد خوفًا من التقصير، وكلما ازداد مالًا ازداد سخاءً، وكلما ارتفع قدره ازداد قربًا من الناس.

أما الشقي فهو ذلك الذي تتحول النعمة عنده إلى وقود للغرور، فيزداد بالعلم كبرًا، وبالعمل إعجابًا، وبالمال بخلًا، وبالجاه استعلاءً.

وهنا تظهر الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون؛ ليست المشكلة في النعمة، بل في القلب الذي يحملها.

قال تعالى:

﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]

آية تختصر جانبًا عظيمًا من فلسفة الحياة. فالناس يتوقعون الابتلاء في الفقر والمرض والخسارة، لكنهم ينسون أن الخير نفسه قد يكون امتحانًا. وقد ينجح إنسان في مواجهة المصائب، ثم يتعثر أمام أول موجة من التصفيق.

ولذلك قال رسول الله ﷺ:

«مَن تَواضَعَ للهِ رَفَعَهُ اللهُ».

إنها معادلة لا تخطئ. فكلما انحنى القلب لله ارتفع صاحبه عند الله وعند الناس، وكلما انتفخ بالغرور بدأ سقوطه ولو بدا واقفًا.

ويروي التاريخ الإسلامي صورة مدهشة من صور النجاة من فتنة الارتفاع. فعندما تولى عمر بن عبد العزيز رحمه الله الخلافة، اجتمعت له السلطة والهيبة والنفوذ، وهي أمور كافية لأن تجعل الإنسان يرى نفسه فوق البشر. لكنه كان يرى الأمر بطريقة مختلفة تمامًا. فقد دخل عليه أحدهم فرآه يبكي، فسأله عن سبب بكائه، فقال إنه تذكر الفقير والجائع والمظلوم والأرملة والضعيف، وعلم أنه مسؤول عنهم أمام الله.

ذلك الرجل لم يرَ المنصب تاجًا فوق رأسه، بل أمانة على كتفيه.

وهنا يكمن الفرق بين الكبار حقًا، وبين أولئك الذين يتخيلون أنهم كبار.

إن بعض الناس إذا حصل على شهادة ظن أنه أصبح المرجع النهائي للحقيقة، وإذا جمع مالًا ظن أن الحكمة أضيفت تلقائيًا إلى حسابه البنكي، وإذا جلس على كرسي مسؤولية ظن أن الكون كله صار موظفًا لديه.

والمشهد في كثير من الأحيان يحمل شيئًا من السخرية المؤلمة؛ فبعض المتكبرين يتصرفون وكأنهم شاركوا في خلق الشمس أو هندسة الهواء أو إدارة دوران الأرض، بينما الحقيقة أنهم بشر ضعفاء منحهم الله بعضًا من فضله، ثم ابتلاهم به لينظر كيف يعملون.

وقد قال سقراط: “أعرف شيئًا واحدًا، أنني لا أعرف شيئًا”. وقال كونفوشيوس: “التواضع أساس الفضائل كلها”. وقال الإمام الشافعي رحمه الله: “كلما ازددت علمًا ازددت علمًا بجهلي”.

وهؤلاء على اختلاف أزمانهم أدركوا سرًا واحدًا؛ أن المعرفة الحقيقية لا تصنع غرورًا، بل تصنع تواضعًا. لأن الإنسان كلما اتسع أفقه أدرك اتساع ما يجهله.

وفي عصرنا الحاضر نرى نماذج مشرقة تؤكد هذه الحقيقة. ترى رجلًا فتح الله عليه أبواب الرزق، فإذا به أكثر قربًا من المحتاجين، وأشد وفاءً لأصدقائه القدامى، وأحرص على خدمة الناس. وترى آخر ارتفع شأنه فصار أكثر لطفًا وأوسع صدرًا وألين جانبًا.

هؤلاء يشبهون الأشجار المثمرة؛ كلما ازدادت ثمارها ازدادت انحناءً.

وفي المقابل ترى من لم يحتمل نجاحًا صغيرًا أو شهرة عابرة، فتحول إلى مشروع استعلاء متنقل، يوزع الاحتقار على الآخرين وكأنه يوزع الهدايا.

وهنا تبدأ رحلة السقوط الصامت.

سقوط لا تراه العيون أول الأمر، لأنه يحدث داخل النفس قبل أن يظهر خارجها. يبدأ حين يصدق الإنسان أنه أفضل من غيره، ثم ينتهي حين يكتشف أن كل ما كان يتباهى به لم يكن سوى اختبار مؤقت.

إن الناس لا يتذكرون أصحاب الأموال لكثرة أموالهم، ولا أصحاب المناصب لعظمة مناصبهم، بل يتذكرون أصحاب الأثر الجميل. يتذكرون من خفف ألمًا، أو جبر خاطرًا، أو فتح باب خير، أو ترك وراءه ذكرًا حسنًا.

أما الضجيج فينتهي، والتصفيق يخفت، والألقاب تذبل، ولا يبقى إلا ما زرعه الإنسان في قلوب الناس وما قدمه ابتغاء وجه الله.

ولهذا فإن الناجين الحقيقيين ليسوا الذين وصلوا إلى القمم فقط، بل الذين حافظوا على إنسانيتهم وهم فوقها.

الناجون هم الذين كلما زادهم الله علمًا ازدادوا تواضعًا، وكلما زادهم مالًا ازدادوا عطاءً، وكلما رفع أقدارهم ازدادوا قربًا من الناس، وكلما اتسعت دنياهم ازداد تعلقهم بالله.

أولئك هم القلة التي تنجو من فتنة الارتفاع.

أما البقية، فسيبقون يملؤون المرتفعات…

المرتفعات المزدحمة بالساقطين.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى