كتاب الرأي

امرأة في قلب الطوارئ: اللحظة التي وُلد فيها قلبي من جديد

   ✍️عائشة السبيعي -كاتبة سعودية :

كان عمره سنتين فقط..
لحظة لعب عادية بينه وبين أخته، ثم ضربة على صدره لم أتوقع أن تغيّر كل شيء.
سقط فجأة… وارتطم بالأرض مغمياً عليه.

في تلك الثانية توقّف العالم. الأصوات اختفت.. الوقت تجمّد.. ولم أعد أشعر بشيء حولي.
لا أعرف كيف حضرتني صورة مقطع شاهدته سابقاً عن الإسعافات الأولية؛ كان مشهداً عابراً في برنامج، لم أتخيل يوماً أنني سأحتاجه. لكن في تلك اللحظة، لم يكن هناك وقت للتفكير، فقط “الفعل”.

أملتُ رأسه إلى الخلف.. أغلقتُ أنفه.. نفختُ في فمه.. وضغطتُ على صدره.
رفعتُ يديه… فسقطتا بلا حراك. فتحت عينيه قليلاً، لكن بياضهما كان ظاهراً بطريقة أرعبتني.. عاد الصمت.

لا أستطيع وصف الشعور في داخلي؛ هل كان خوفاً؟ أم صدمة؟ كيف تصرّفت؟ ولماذا لم أصرخ أو أتصل بأحد؟ هل هي شجاعة؟ أم مسؤولية أمّ لا تسمح لنفسها أن تنهار؟ لا أعلم.

كل ما أعلمه أنني عدت مرة أخرى؛ أملتُ رأسه.. أغلقتُ أنفه.. نفختُ.. وضغطتُ.
رفعتُ يديه مرة أخرى… ثم فجأة… ارتدّت يداه! عاد النفس.. فتح عينيه، هذه المرة بوعي، ونظر حوله كأنه استيقظ من صدمة لا يفهم ما حدث.

وفي تلك اللحظة فقط… عاد العالم ليدور.

وقفتُ مذهولة، بين البكاء والحمد، بين الخوف والامتنان. لم أشعر إلا بمعني واحد يملأ قلبي: أن قدرة الله فوق كل شيء، وأن من يحيي العظام وهي رميم، قادر أن يعيد نبضاً توقف، ونفساً انقطع.
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾

لم تكن لحظة قوة مني، بل رحمة من الله ساقها إليّ، وألهمني فيها ما أحتاجه في الوقت الذي أحتاجه. وبقي في قلبي يقين جديد: أن الأم حين يُختبر قلبها، يمنحها الله من الثبات ما لم تكن تعرف أنها تملكه.

ذلك اليوم لم يكن مجرد حادثة عارضة، بل كان “الميلاد الثاني” لهذا الرابط. فالأمومة ليست فقط في الحمل والولادة، بل في تلك اللحظات التي أقف فيها كحائط صدّ وحيد بين طفلي وبين الخطر، حين أمنحه أنفاسي ليحيا هو من جديد.

لقد اكتشفتُ أن في داخلي “قوة” لم تستأذني لتظهر، بل انبثقت من عمق حبي وخوفي عليه. هذا الرابط الذي صُهر في نار تلك الدقائق القاسية، أصبح الآن أقوى وأعمق من أي وقت مضى.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى