تغطيات وتقارير

هل يمكن للإبل أن تلهم نموذجًا جديدًا للإدارة؟

البرفيسور تركي حسن ابو العلا أكاديمي سعودي يطرح «منهجية الإبل الاستراتيجية CSM» لإدارة الندرة والموارد والتحول المؤسسي

مكة المكرمة – هشام حسن نتو :

مقدمة اللقاء

قد يبدو استلهام نموذج إداري من الإبل فكرة غير مألوفة، إلا أن التعلم من الطبيعة أصبح مجالًا علميًا يُعرف بـ«المحاكاة الحيوية» (Biomimicry)، وامتد من الهندسة والتصميم إلى الإدارة والقيادة وبناء المنظمات.

ومن البيئة السعودية انطلقت «منهجية الإبل الاستراتيجية CSM»، التي طورها أ.د. تركي حسن عبدالله أبو العلا، عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى، مستلهمًا قدرة الإبل على التكيف مع الندرة والبيئات الصعبة، وإدارة الاحتياطي، وتوزيع الأحمال والاستمرار.

وتسعى المنهجية إلى ترجمة هذه الخصائص إلى مفاهيم إدارية تخدم إدارة الموارد والاستشراف والمرونة المؤسسية والقيادة والتحول، في محاولة لتقديم نموذج معرفي سعودي قابل للنمذجة والاختبار والتطوير. والمنهجية مصنف فكري مسجل لدى الهيئة السعودية للملكية الفكرية برقم (26-12-63931543).

اللقاء الصحفي

س: بدايةً، ما «منهجية الإبل الاستراتيجية CSM»؟ وكيف ولدت الفكرة؟

ج: CSM إطار فكري واستراتيجي في الإدارة يستفيد من مبدأ المحاكاة الحيوية؛ أي التعلم من منطق التكيف في الطبيعة وتحويله إلى مبادئ قابلة للاستخدام في الأنظمة البشرية. بدأت الفكرة من النظر إلى الإبل كمنظومة متكاملة تتعامل مع الندرة، وتخزن الاحتياطي، وتوزع الأحمال، وتتكيف مع البيئات القاسية، ثم تحويل هذه الخصائص إلى مفاهيم إدارية مترابطة قابلة للنمذجة والاختبار.

س: لماذا الإبل تحديدًا؟ أليست الاستعانة بها في الإدارة مجرد استعارة جذابة؟

ج: لو توقفت الفكرة عند التشبيه لكانت مجرد استعارة، لكن CSM تستخرج المنطق الوظيفي من خصائص الإبل وتترجمه إلى أسئلة ومؤشرات وقرارات إدارية. فالسنام مثلًا يمثل منطق الاحتياطي المؤسسي وكيفية استثمار الفائض المالي والمعرفي والتقني استعدادًا للندرة والتحول. والقيمة الحقيقية للمنهجية لا يثبتها جمال الاستعارة، بل قدرتها على التحول إلى أدوات قابلة للقياس والاختبار.

س: ما المقصود بالمحاكاة الحيوية في هذا السياق؟

ج: المحاكاة الحيوية تعني التعلم من المبادئ التي تعمل بها الأنظمة الحية، لا نسخ أشكالها. وفي CSM ننظر إلى الإبل كنظام وظيفي يتميز بالاستشعار والتكيف والاقتصاد في الطاقة والاحتفاظ بالاحتياطي وتوزيع الضغط والاستمرار، ثم نعيد تفسير هذه الوظائف إداريًا في الاستشراف وإدارة الموارد والمرونة المؤسسية واستمرارية الأعمال والقيادة والتحول.

س: ما «منطق السنام» الذي يحتل موقعًا مركزيًا في المنهجية؟

ج: هو تحويل الفائض في فترات القوة إلى احتياطي استراتيجي يُستثمر عند الندرة أو التحول، سواء كان ماليًا أو معرفيًا أو تقنيًا أو خبرات متراكمة. وتطرح المنهجية سؤالًا: هل تبني المؤسسة احتياطيًا يمكّنها من إعادة التموضع عند تغير البيئة، أم تستهلك كامل طاقتها في التشغيل والتوسع؟ إنها محاولة للانتقال إلى إدارة أكثر استدامة للموارد والاحتياطي.

س: وتتحدثون عن «ديناميكية السنامين»؛ ماذا تعني؟

ج: السنام الأول يمثل تراكم القوة والاحتياطي من المعرفة والأصول والموارد والخبرات خلال فترات الاستقرار والنجاح. ثم تأتي مرحلة «البروك الاستراتيجي» لإعادة التموضع والتعلم وتخصيص الموارد، بينما يمثل السنام الثاني تحويل ما جرى ادخاره وتعلمه إلى طاقة للابتكار والانطلاق نحو مستوى أعلى من الأداء. وهي دورة مفاهيمية تحتاج إلى النمذجة والاختبار التطبيقي.

س: مصطلح «البروك الاستراتيجي» قد يبدو غير مألوف في الإدارة. ما المقصود به؟

ج: هو توقف نشط ومخطط، وليس تعطلًا أو فشلًا. فالاستمرار رغم تغير الظروف أو استنزاف الموارد قد يضر بالمؤسسة. وتقترح CSM قدرة المنظمة على خفض الإيقاع مؤقتًا لمراجعة المسار وإعادة توزيع الموارد وإعادة الهندسة، ثم العودة بزخم أكثر استدامة. وهو قريب من مفهوم إعادة التموضع الاستراتيجي، لكن ضمن المنطق الحيوي للنموذج.

س: وماذا تعني «القيادة الهادية» في CSM؟

ج: هي قيادة تقيس قوتها بوضوح الاتجاه والاستشراف والثقة وتوزيع الأحمال وضبط الإيقاع تحت الضغط، لا بكثرة الأوامر. وأستخدم صورة «الهادي» للتعبير عن القائد الذي يرى الطريق ويحافظ على البوصلة ويعرف متى يسرع ومتى يحافظ على الطاقة. وهي ليست ضعفًا في الحسم، بل توازن بين الرؤية والمرونة والانضباط.

س: كيف تختلف CSM عن النماذج الإدارية العالمية المعروفة مثل Agile أو Balanced Scorecard أو SWOT؟

ج: لا تهدف CSM إلى إلغاء الأدوات العالمية، بل تستفيد من أدوات مثل PESTEL وSWOT وDesign Thinking وLean/Kaizen وBalanced Scorecard. والاختلاف المقترح يكمن في «منطق الربط» بينها ضمن دورة لإدارة الندرة والاحتياطي والتحول. لذلك يمكن النظر إلى CSM كإطار يعيد تنظيم أدوات متعددة ضمن فلسفة سعودية المنشأ، على أن تخضع هذه الإضافة للاختبار.

س: ما الذي يجعل هذه المنهجية «سعودية» وليس مجرد إعادة تسمية لمفاهيم إدارية معروفة؟

ج: السعودية ليست وصفًا جغرافيًا للمنهجية، بل نقطة انطلاقها؛ فقد جاءت من قراءة الإبل كنظام تكيفي متجذر في بيئة الجزيرة العربية، ثم ترجمة ذلك إلى لغة إدارية معاصرة. ولا أدعي أن المفاهيم الإدارية تبدأ من الصفر؛ فالمعرفة تراكمية. الإضافة المقترحة هي بناء إطار يستمد هويته من البيئة السعودية ويستفيد في الوقت نفسه من المعرفة العالمية.

س: المنهجية مسجلة كملكية فكرية. ما أهمية ذلك؟

ج: التسجيل يحمي المصنف بوصفه إنتاجًا فكريًا ويثبت مساره النظامي، وهي خطوة مهمة لتحويل الفكرة إلى أصل معرفي قابل للتطوير. والمنهجية مسجلة لدى الهيئة السعودية للملكية الفكرية برقم (26-12-63931543). لكن يجب التفريق بين حماية الملكية الفكرية وإثبات الفاعلية؛ فالتسجيل يحمي المصنف، بينما نجاح المنهجية عمليًا يحتاج إلى التجربة والقياس والنتائج.

س: أين وصلت المبادرة اليوم في مسارها الرسمي؟

ج: رُفعت المبادرة عبر القنوات الرسمية لدراستها من الجهات المختصة، وبحسب حالة المعاملة المتاحة لي وصل الموضوع إلى وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وهو في مساره الإجرائي. وهذا لا يعني اعتماد المنهجية أو تبنيها حكوميًا. والطموح أن تخضع لتقييم مؤسسي وفني، والنظر في إمكانية تحويلها إلى نموذج تجريبي قابل للقياس.

س: إذا أتيحت فرصة التطبيق، هل تقترح تعميم CSM مباشرة؟

ج: لا. المسار الصحيح يبدأ بالدراسة والنمذجة، ثم تجربة أولية محدودة مع تحديد خط أساس ومؤشرات أداء وقياس النتائج. فإذا أثبتت التجربة قيمة قابلة للقياس، يمكن تطوير النموذج والتوسع تدريجيًا. وإذا ظهرت نقاط ضعف، فهي جزء طبيعي من التطوير. فالهدف ليس حماية الفكرة من النقد، بل إخضاعها لاختبار مهني منضبط.

س: ما المؤشرات التي يمكن أن تُستخدم للحكم على نجاح المنهجية؟

ج: تختلف بحسب القطاع، ويمكن أن تشمل كفاءة استخدام الموارد، وسرعة الاستجابة واتخاذ القرار، والاحتفاظ بالمعرفة المؤسسية، والاستعداد لفترات الندرة، وتوزيع الأحمال، واستمرارية الأعمال، وزمن الانتقال من وضع تشغيلي إلى آخر. والأهم تحديد المؤشرات قبل التجربة وقياسها بطريقة قابلة للمراجعة، بعيدًا عن الحكم بالانطباعات.

س: هل CSM موجهة للقطاع الحكومي فقط؟

ج: لا. هي إطار مرن يمكن، من حيث المبدأ، تكييفه مع القطاع الحكومي والشركات والقطاع غير الربحي. لكن لا يمكن افتراض أن النموذج سيعمل بالطريقة نفسها في جميع البيئات؛ فلكل قطاع حوكمته وموارده ومخاطره ومؤشرات نجاحه، ولذلك يمثل التكييف والتجربة جزءًا أساسيًا من التطبيق.

س: كيف ترون علاقة المنهجية بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي؟

ج: يتضمن التصور المفاهيمي إمكانية تحويل بعض مكونات CSM إلى أدوات رقمية لدعم القرار، مثل مؤشرات الجاهزية والاحتياطي، ورادار الاستشعار المبكر، ومتابعة الزخم واستنزاف الموارد. لكن ذلك يتطلب هندسة تقنية ومتخصصين في البيانات والذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية، لتحويل المنطق المعرفي إلى أدوات تقنية قابلة للاختبار.

س: هل يمكن أن تتحول الفكرة إلى منتج معرفي سعودي قابل للتقديم عالميًا؟

ج: هذا هو الطموح، لكنه مشروط بالعمل العلمي والتطبيقي. الطريق يبدأ بحماية الفكرة وبناء النموذج التنفيذي، ثم التجارب وقياس النتائج والمراجعة والتطوير والنشر العلمي والمهني. وإذا أثبتت المنهجية قيمتها في بيئات متعددة، يصبح الحديث عن منتج معرفي سعودي قابل للتقديم عالميًا أكثر قوة ومصداقية.

س: ما الرسالة الأوسع التي تريد إيصالها من خلال CSM؟

ج: الرسالة تتجاوز الإبل والمنهجية؛ فالبيئة السعودية ليست فقط مجالًا لتطبيق المعرفة، بل يمكن أن تكون مصدرًا لإنتاجها. لدينا تاريخ وبيئة وتجارب وتحولات وطنية قادرة على توليد نماذج وأدوات جديدة. والانفتاح على المعرفة العالمية ضروري، لكن علينا أيضًا الانتقال من استهلاك المعرفة إلى المشاركة في صناعتها.

س: وأخيرًا، ما الذي تتمنون أن يحدث للمنهجية في المرحلة القادمة؟

ج: أتمنى أن تأخذ الفكرة فرصتها العلمية والمؤسسية: أن تُقرأ وتُنقد وتُراجع وتُنمذج، ثم تُختبر ضمن نطاق مناسب وبمؤشرات واضحة. فإذا أثبتت التجربة قيمتها ننتقل إلى التطوير والتوسع، وإن كشفت عن جوانب تحتاج إلى تعديل نعيد بناءها. نجاح CSM ليس في كثرة الحديث عنها، بل في قدرتها على التحول من ملكية فكرية سعودية إلى أداة معرفية قابلة للقياس والتطوير والتطبيق.

هشام حسن نتو

مدير التحرير + مدير العلاقات العامة بالصحيفة إعلامي ومحرر صحفي سعودي، يمتلك خبرة في إعداد الأخبار والتقارير الصحفية والمقالات، والتغطيات الإعلامية الميدانية للمناسبات الاجتماعية والفعاليات الرياضية والثقافية والمجتمعية في مكة المكرمة وجدة. بدأ مسيرته الصحفية في صحيفة أحوال الإلكترونية، ثم انتقل إلى صحيفة شاهد الآن الإلكترونية، قبل انضمامه إلى صحيفة عنوان الإخبارية، حيث تدرج من محرر صحفي إلى مدير للعلاقات العامة، ثم مدير للتحرير، مع استمراره في مسؤوليات العلاقات العامة. يهتم بتطوير المحتوى الصحفي، وتعزيز جودة الصياغة والتحرير، وبناء العلاقات الإعلامية، وإبراز المبادرات والفعاليات المجتمعية من خلال تغطيات مهنية تراعي الدقة والمصداقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى