حادثة جدة.. القشة التي قصمت ظهر البعير

✍️ أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي – كَاتِبٌ سَعُودِيٌّ:
لم تعد الحادثة التي تتناقلها المجالس وتتصدر وسائل التواصل مجرد شجار عابر وما ترتب عليه. لقد تجاوزت ذلك لتصبح حديث المجتمع بأكمله، ومعلومة للجميع، دون حاجة لإعادة سرد تفاصيلها.
لا أحد ينكر أن خروج أحد الطرفين عن السيطرة كان لافتاً ومؤسفاً. ومع ذلك، أعتقد جازماً أن الأمر لم يكن مقصوداً لذاته، وإنما جاء نتيجة تراكمات وضغوط. فما حدث كان أشبه بـ”القشة التي قصمت ظهر البعير”.
وليس الخطر في الحادثة نفسها بقدر ما هو في تداعياتها. فحين تتحول كل مشادة إلى قضية رأي عام، وحين يصبح التشهير أسهل من الإصلاح، نخسر جميعاً. نخسر أمن مجتمعنا، وسكينة بيوتنا، وثقة الناس ببعضهم. الكلمة اليوم سلاح، والمنشور قد يجرح أكثر من السكين.
هنا يبرز واجبنا الأخلاقي والإنساني: أن نحسن الظن، وأن نلتمس للآخر العذر. فنحن لا نعلم ظروف الناس، ولا ندري ما يثقل كواهلهم من حالات نفسية أو ضغوط خاصة لا يبوحون بها. نعم، ردة الفعل صدرت، والحق لا يضيع، لكن التحلي بالصبر والحكمة مطلوب في لحظة الغضب. ولو أن الطرف الآخر تراجع خطوة إلى الوراء، وآثر المضي في طريقه، لانتهت المشكلة في مهدها قبل أن تستفحل.
ولقد علمنا نبينا ﷺ كيف نتعامل مع الغضب: بالاستعاذة، والجلوس إن كنا قائمين، والوضوء، والصمت. وعلمنا أن “ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”. هذه هي القوة الحقيقية التي نحتاجها اليوم، لا قوة الصوت ولا كثرة المنشورات.
إن هذه الحادثة، بكل أبعادها، يجب أن تكون موضع اهتمام المتخصصين في التربية وعلم الاجتماع وعلم النفس. هي حالة دراسية بامتياز، تستحق الدراسة والتحليل لاستخلاص العبر ووضع التوصيات اللازمة للتعامل مع مثل هذه المواقف مستقبلاً، والحد من آثارها السلبية.
وفي هذا المقام، نؤكد على الدور المحوري للمصلحين وذوي الرأي والحكمة. دورهم اليوم مضاعف في إصلاح ذات البين، وتقريب وجهات النظر، واحتواء المشكلة، وتهدئة الوضع، لاتصعيده، فالمجتمع بأمس الحاجة لمن يطفئ لا لمن يوقدها.
أما الذين سارعوا إلى تأجيج القضية وتصعيدها ونشرها بلا وعي، فأذكرهم ونفسي بقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. فليتقوا الله في مجتمعهم، وليكفوا عن إشعال فتيل الكراهية والبغضاء.
والمسؤولية لا تقع على المصلحين والمتخصصين وحدهم. كل واحد منا معني. إذا وصلك مقطع أو منشور عن الحادثة، فأنت أمام خيارين: إما أن تكون جسراً للإصلاح بمشاركة كلمة طيبة ودعوة للستر، أو معولاً للهدم بمشاركة الفيديو وتعليق يزيد الطين بلة. فاختر أي الرجلين تكون.
خاتمة القول: يحكى أن رجلين تشاجرا، فجاء حكيم القرية وقال: “لو أن كل واحد منكم احتمل أخاه لما احتجنا لحكيم”. فالحكمة ليست فيمن يربح النقاش، بل فيمن يحفظ الود.
فلنجعل من هذه الحادثة درساً نتعلم منه: كيف نغضب بحكمة، وكيف نصلح بحب، وكيف نكون مفاتيح خير مغاليق شر. فالمجتمعات لا تبنى بالخصومات، وإنما تبنى بمن يملك نفسه عند الغضب، ومن يسعى للإصلاح لا للإفساد.
للتواصل :[email protected]



