كتاب الرأي

من العقود التأسيسية إلى السعودية الخضراء: قصة نجاح رائدة في زراعة المانجروف

✍️أ. د. محمد شايع الشايع أكاديمي بجامعة الملك سعود :

تُعد أشجار المانجروف، المعروفة محلياً بنوعيها “الشُّور اللذي ينتشر على سواحل البحر الأحمر والخليج العربي، بالإضافة إلى نوع الاخر “القندل” الذي يتواجد فقط في 13 موقعاً فريداً على سواحل البحر الأحمر، من أهم النظم البيئية الساحلية في العالم، فهي تشكل خط الدفاع الأول عن الشواطئ ضد التآكل والانجراف، وتوفر موائل آمنة لتكاثر الكائنات البحرية، مما يسهم في حماية الشعاب المرجانية وتعزيز التنوع الأحيائي، ويجعلها من أكثر الأنظمة البيئية استدامة.

ولا تقتصر أهمية المانجروف على حماية الشواطئ فحسب، بل تمثل ركيزة استراتيجية لدعم الأمن الغذائي، حيث تقضي الكثير من الأسماك والقشريات ذات القيمة الاقتصادية مراحل مهمة من دورة حياتها بين جذورها التي توفر لها الحماية والغذاء، مما ينعكس مباشرة على وفرة المصائد البحرية، ولهذا تُعد هذه الغابات بمثابة حضانات طبيعية تدعم استدامة الثروة السمكية.

علاوة على ذلك، تُصنف غابات المانجروف كإحدى أكثر البيئات كفاءة في مواجهة التغير المناخي، إذ تمتلك قدرة استثنائية على امتصاص وتخزين الكربون بكميات ضخمة داخل أنسجتها وتربتها الساحلية، إلى جانب دورها في احتجاز الملوثات والعناصر الثقيلة وترسيبها، مما يرفع جودة البيئة البحرية، وينظر إليها العلماء كحليف طبيعي رئيس في تعزيز التوازن البيئي العالمي.

وعلى امتداد سواحل البحر الأحمر والخليج العربي، تحولت أشجار المانجروف إلى واحدة من أبرز قصص النجاح البيئي في المملكة العربية السعودية، حيث شهدت السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في استزراعها وإعادة تأهيل موائلها الطبيعية، حتى امتد انتشارها شمالاً على ساحل البحر الأحمر مروراً بينبع، ووصولاً إلى مناطق قريبة من تبوك، في مشهد يعكس حجم التحول البيئي الكبير الذي تعيشه المملكة.

وقد تحقق هذا المنجز بفضل الرؤية الطموحة والدعم المستمر من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الذي جعل الاستدامة البيئية ركيزة أساسية من ركائز رؤية المملكة 2030، وأطلق مبادرة السعودية الخضراء كمشروع وطني شامل لتعزيز الغطاء النباتي وحماية الموارد الطبيعية ورفع جودة الحياة.

ولم تقف هذه الجهود عند حدود التخطيط، بل تُرجمت إلى واقع ميداني ملموس، حيث أسهمت إدارة الغابات في المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر في توزيع الجهد النوعي والتوازن بين الأشجار البرية والأشجار البحرية، لتحقق نجاحاً بحرياً استثنائياً، تجاوز معه عدد أشجار المانجروف المزروعة 52 مليون شجرة خلال السنوات الخمس الماضية، وبمعدلات نجاح تجاوزت 97%، وهو رقم يبرهن على كفاءة البرامج الوطنية والتخطيط العلمي المتبع، بفضل الممكنات التي وفرتها الدولة للقطاع البيئي، وما صاحب ذلك من ندوات علمية وبرامج تدريبية وشبكات دعم لوجستي أسهمت في رفع كفاءة التنفيذ.

ويبرز في هذا السياق الدور المحوري لمعالي المهندس عبدالرحمن بن عبدالمحسن الفضلي، وزير البيئة والمياه والزراعة ورئيس مجلس إدارة المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، عبر القيادة المؤسسية والفنية للتوسع في مشاريع الاستزراع الساحلي، يسانده في ذلك الرئيس التنفيذي للمركز المهندس أحمد العيادة وفريقه، في تحويل تلك الاستراتيجيات إلى مشاريع حية تحقق نتائج مشهودة على أرض الواقع.

إن هذه النجاحات المعاصرة ترتكز في جوهرها على إرث علمي وميداني بدأ قبل أكثر من ثلاثة عقود، عندما استضافت الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها آنذاك، فريقاً من الخبراء اليابانيين أوفدته الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جيكا) خلال عامي 1993 و1994 بقيادة الخبير “شيهارو مياموتو”، وجاء ذلك في مرحلة تأسيسية شهدت اهتماماً كبيراً بحماية البيئة بدعم ومتابعة من الراحلين صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز وصاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل، رحمهم الله، اللذين ساهما في ترسيخ العمل البيئي المؤسسي بالمملكة.

ومن بين الكفاءات الوطنية التي عاصرت تلك المرحلة واستلهمت من خبراتها، يبرز اسم الخبير البيئي المهندس عبدالله الوتيد، الذي لم يكتفِ بنقل المعرفة التي تلقاها من الخبراء اليابانيين، بل طورها وكيّفها لتلائم الخصائص البيئية لسواحل المملكة، ورغم التقديرات المبكرة التي كانت تشير إلى محدودية نجاح استزراع المانجروف في بعض مناطق البحر الأحمر، إلا أن الوتيد عمل بخبرة ميدانية متخصصة على تجاوز هذه التحديات، عبر بناء منظومة متكاملة شملت إعداد الحاضنات والبيوت المحمية، وتجهيز مواقع الإبذار، وتطوير أساليب الري والتقسية، ومتابعة خطوط الزراعة الميدانية للشتلات.

وقد كرّس جهده بالكامل لهذا المجال، فجمع البذور، ورعى الإنبات، وتابع الإزهار، وطوّر أساليب الزراعة الميدانية، مما أسهم في ترسيخ نجاح المانجروف في بيئات ساحلية متعددة، وتحويل المعرفة النظرية إلى تجربة تطبيقية سعودية رائدة، والمتتبع لعمل المهندس الوتيد يلمس شغفاً كبيراً وحباً متنامياً لهذه الشجرة، إيماناً منه بمردودها البيئي والاقتصادي الذي يرسخ مكانة الوطن الدولية، وقد انعكس هذا الشغف في الإصرار على تجاوز المعوقات، ليرسم مع زملائه ملامح نقاء بيئي جديد على ضفاف السواحل السعودية، ويحولها إلى مقصد بيئي وسياحي واعد يدعم جودة الحياة.

ولعل ما يميز التجربة السعودية في تنمية المانجروف أنها لم تعتمد على الجهد الفردي أو المؤسسي المنعزل، بل قامت على تكامل الرؤية السياسية، والدعم الحكومي، والخبرة العلمية، والعمل الميداني الدؤوب، لتصبح المملكة اليوم نموذجاً إقليمياً وعالمياً في استعادة النظم البيئية الساحلية وتنميتها.

إن أشجار المانجروف ليست مجرد نباتات تنمو على الشواطئ، بل هي مصانع طبيعية للحياة، وممستودعات صامتة للكربون، وشاهد حي على قدرة الإنسان على إعادة بناء التوازن البيئي متى ما توافرت الرؤية والإرادة والعلم، وما تحقق في المملكة يؤكد أنها باتت نموذجاً عالمياً في حماية البيئة الساحلية واستثمارها بصورة مستدامة، لتظل غابات المانجروف إحدى أبرز الشواهد الحية على نجاح مبادرة السعودية الخضراء في بناء مستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة للأجيال القادمة.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى