كتاب الرأي

على عتبات الرثاء !

✍️ محمد سلطان الأمير – كاتب سعودي :

حين يباغت الألم الصاهر النفس الإنسانية ويطبق عليها إزاء فقدان الأب أو الأم ويذهب بها مذاهب شتى بين استيعاب هول الفاجعة والصمود أمامها ،أو استقبالها بالصمت والرضا للحد من
خطر الانهيار تحت طاحونتها الحادة.
أثناء ذلك من الطبيعي أن تحتشد على شاشة ذهن «الفاقد» مواكب الذكريات الجميلة والمواقف الأبوية الحانية عاصفةً بهدوئه واتزانه ومهيمنة عليه هيمنة مطلقة.
في خضم هذا الجو الداكن الحزين سيبدو وكأن الشاعر المصاب عاجز
عن ترجمة أبعاد تلك العاصفة العاتية التي انقضّت عليه، وسيبدو تبعاً لذلك الظرف عرض ملابساتها الدامية من الصعوبة بمكان.
إنَّ البيان الذي ماهجر شاعره يوماً أو استعصى عليه سيقف حائراً واجماً شارداً أمام تلك الصدمة المريرة وقتاً طويلاً
إذ المصيبة الفادحة أدهى وأمرّ وأقوى وأعظم من أن تجسدها الكلمات على أرض الواقع في قالب أدبي متين السبك مكتمل العناصر والسمات.
وأود أن أستدرك أن
حديثي هنا عن السواد الأعظم من المبدعين لاينفي ولايلغي وجود قامات إبداعية استثنائية استطاعت تخطى ذلك الحاجز النفسي الشائك باستجابتهم لهواتف الوجدان المحترق، وتماهيهم مع المأساة التي حلت بهم فور وقوعها، على تفاوت
في المستويات الفنية .
وقد حدث أن أصيب أمير شعراء عصره «أحمد شوقي« بفقدان أبيه فإذا به وهو »الشاعر المفلق» يستسلم للصمت أمام تلك النكبة حيناً من الدهر،وبدا وكأن اللغة ذاتها التي طالما ترصعت بها تجاربه الفينانة واخضوضرت بها ميادين الحياة الأدبية أغضتْ ذهولاً واستغراقاً في الصمت على أعتاب الألم عاجزةً عن الاستجابة الفوريَّة إلى رصد مصابه الجلل وحزنه العميق!
كان محبو شعره في بلده والوطن العربي يتوقعون أن يسارع شوقي إلى رثاء أبيه عند مماته مباشرة ،ولما طال عليهم الانتظار ظنّوا أن قيثارته الشعرية المرنانة -التي طالما أطربتهم وأشجتهم- لم تعد قادرة على الغناء الشجي الآسر، فراحوا يتساءلون غير مرة:لِمَ لمْ تُرثِ أباك ؟
فإذا به بعد مدة طويلة نسبياً يطلع على لائميه الظانين ظن الانتقاص بقصيدة وجدانية تأتلق حكمة ووعياً
و تفيض رقة ولوعة وأسى، وذلك في عام 1897م
وإذا بقرائه في مشارق الأرض ومغاربها يقفون على رؤيته المستقلَّة النافذة لحتمية الموت ومآلات الكائنات جميعها، في سبيكة ذهبية مغايرة لما اعتاد عليه الشعراء من قبل في مختلف العصور.
انفصل الشاعر عن صمته المؤقت بمرثيته الآتية إذن وكشف لشداة الأدب عن مقدرته الإبداعية العالية على ممارسة فن الرثاء ولكن بطريقة فنية تقوم على فكرة المزج بين التأمل في رحلة الفناء، والوفاء المثالي العميق الذي يكنُّه لوالده العظيم ،
إلى جانب قناعته التامة ورضاه النفسي واستشرافه لماوراء النهايات ومايتصل بها من تباريح أليمة ، « لوصافحت جبلاً إذن تضعضع منها ذلك الجبل » على حد تعبير أبي تمام.
ومن الغريب أن يصف الدكتور مصطفى مجذوب في كتابه:«شعر شوقي في ميزان النقد» تجربة شوقي في الرثاء بالتفلسف البارد على حد قوله ، ورأى «أن العاطفة خانته في رثاء أقرب الناس لديه»
بيد أنه استدرك في خضم هجومه
أن في بعض مراثيه « صوراً بارعة، تهز النفوس بما فيها من قوة الحبك وروعة العبارة»
وقد فاته في غمزه هذا توظيفات شوقي الدينية الواردة في النص والوحدة الموضوعية التي التزم بها وطغيان اللوعة المتقدة على النص إجمالاً في هذا الموقف المزلزل لاسيما حين وصف والده بتلقائية مفعمة بالشجن بقوله:
وَتَمَشَّينا يَدي في يَدِهِ
مَن رَآنا قالَ عَنّا أَخَوَين!
وغير ذلك من البراعات الفنية التي لم يعرها الدكتور اهتماماً يليق بها.
في الوقت الذي أنصفه الدكتور عبدالله الطيب في معرض حديثه عن الرثاء بقوله: «وشوقي رحمه الله شاعر مترنم ذو مواقف من عقل وقلب وأدب تصعد به إلى قمم عاليات.»
وقصارى القول أن القصيدة المرثية الآتية شكلت منعطفاً في حياة شوقي وتجاربه الشعورية وظلت ترنيمة أخّاذة دالة على نظرته الكونية المستقلة تجاه الموت والانكسارات الناتجة عنه.
فإلى القصيدة:
سألوني لِمَ لمْ أرثِ أبي؟
ورثاءُ الأب دَينٌ أيّ دين

أيّها اللوّام ما أظلمكم
أين لي العقلُ الذي يسعدُ أين؟

يا أبي، ما أنت في ذا أوَّلٌ
كلُّ نفسٍ للمنايا فرضُ عين!

هلكتْ قبلك ناسٌ وقرى
ونعى الناعون خير الثقلين

غايةُ المرء وإن طال المدى
آخذٌ يأخذه بالأصغرين!

وطبيبٌ يتولّى عاجزاً
نافضاً من طبّه خفي حنين!

إن للموت يداً إن ضربتْ
أوشكت تصدعُ شمل الفرقدين!

تنفذ الجوّ على عقبانه
وتلاقي الليث بين الجبلين

وتحطّ الفرخَ من أيكته
وتنال الببغا في المئتين

أنا من مات ومن مات أنا
لقي الموتَ كلانا مرّتين!!

نحن كنا مهجةً في بدنٍ
ثم صرنا مهجة في بدنين!

ثم عدنا مهجةً في بدنٍ
ثم نُلقَى جثةً في كفنين!

انظر الكون وقل في وصفهِ
كل هذا أصله من أبوين

فإذا ما قيل ما أصلهما؟
قل هما الرحمة في مرحمتين

فقدا الجنة في إيجادنا
ونعمنا منهما في جنتين!

وهما العذر إذا ما أُغضِبا
وهما الصفح لنا مُستَرضَيَن

ليت شعري أيّ حيّ لم يدن
بالذي دانا به مبتدِئين!

ما أَبي إِلّا أَخٌ فارَقتُهُ
وُدُّهُ الصِدقُ وَوُدُّ الناسِ مَين

طالَما قُمنا إِلى مائِدَةٍ
كانَتِ الكِسرَةُ فيها كِسرَتَين!

وَشَرِبنا مِن إِناءٍ واحِدٍ
وَغَسَلنا بَعدَ ذا فيهِ اليَدَين

وَتَمَشَّينا يَدي في يَدِهِ
مَن رَآنا قالَ عَنّا أَخَوَين

نَظَرَ الدَهرُ إِلَينا نَظرَةً
سَوَّتِ الشَرَّ فَكانَت نَظرَتَين

يا أَبي وَالمَوتُ كَأسٌ مُرَّةٌ
لا تَذوقُ النَفسُ مِنها مَرَّتَين

كَيفَ كانَت ساعَة قَضَّيتَها
كُلُّ شَيءٍ قَبلَها أَو بَعدُ هَين

أَشَرِبتَ المَوتَ فيها جُرعَةً
أَم شَرِبتَ المَوتَ فيها جُرعَتَين؟

لا تَخَف بَعدَكَ حُزناً أَو بُكاً
جَمَدَت مِنّي وَمِنكَ اليَومَ عَين!

أَنتَ قَد عَلَّمتَني تَركَ الأَسى
كُلُّ زَينٍ مُنتَهاهُ المَوتُ شَين

لَيتَ شِعري هَل لَنا أَن نَلتَقي
مَرَّةً أَم ذا اِفتِراقُ المَلَوَين؟

وَإِذا مُتُّ وَأودِعتُ الثَرى
أَنُلقَّى حُفرَةً أَو حُفرَتَين!

لاريب أن بعض الأحزان أعظم من
أن تُحاط بقصيدة شعر أو تُحصر في نحيب سرعان ما ينطفئ أواره وتتلاشى عذاباته ،فلا مندوحة إذن من أن تستحيل تلك الحسرات إلى صمتٍ مهيب وإطراقٍ غريب سيطول عليه الأمد.
ولعل هذا الملمح يكشف لنا سرَّ استعصاء القريض على شوقي حال وفاة أبيه وامتناعه عنه زمناً غير يسير .
لم يكن «رثاء الوالد« لدى شوقي مجرد واجب اجتماعي يؤديه على جناح السرعة بل كان أسمى من ذلك وأبعد مرمى من أن تساء به الظنون ويكفي أن نمعن النظر في قوله الموجع هذا:
أنا من مات ومن مات أنا
لقي الموتَ كلانا مرّتين!!
لقد كان يرعى والده في مرضه رعاية ملؤها البر والإحسان والإشفاق و لم يدخَّر وسعاً في علاجه حتى إنه أحضر له 7 أطباء لمتابعة حالته الصحية، منهم طبيب مشهور آنذاك اسمه «كومانوس باشا»وفقاً لشهادة سكرتيره الخاص.
ولقد كان أمير الشعراء محبا للحياة متعلقاً بمظاهر الجمال هنا وهناك،
وكان إذا أحد من أصدقائه وافاه الأجل اعتزل بعيداً عن الناس منطوياً على ذاته حتى تطيب نفسه قليلاً «وفقاً لما نشرته جريدة الأخبار في 16 أكتوبر عام 1953«.
ولخوفه الشديد من الأمراض ذكر بعضهم أنه كان يرتدي الملابس الصوفية صيفا وشتاء.!
ولايعزب عن البال ارتباطه الوثيق بهموم المجتمع وقضايا الأمة فلاتكاد تمر مناسبة من المناسبات إلاوتناولها تناولاً فريد حاشداً طاقته الفنية بسخاء شأنه شأن البلابل الصداحة فوق أفنان الشجر،ولله قوله البديع :
كانَ شِعري الغِناءَ في فَرَحِ الشَرقِ
وَكانَ العَزاءُ في أَحزانِهْ

قَد قَضى اللَهُ أَن يُؤَلِّفَنا الجُرحُ
وَأَن نَلتَقي عَلى أَشجانِهْ!
وتجدر الإشارة إلى أن شوقياً
تحدث عن والده في مقدمة الطبعة الأولى لديوانه الشوقيات فقال: «سمعت أبي يرد أصلنا إلى الأكراد فالعرب».
ويقول :«إن والده قدم هذه الديار يافعاً يحمل وصاةً من أحمد باشا الجزار إلى والي مصر محمد علي باشا… فأدخله الوالي في معيته، ثم تداولت الأيام، وتعاقب الولاة الفخام. وهو يتقلد المراتب العالية، ويتلقب في المناصب السامية، إلى أن أقامه والي مصر محمد سعيد باشا أميناً للجمارك المصرية.»
وأشار إلى أن جدته كانت جارية معتوقة من جنوب اليونان، وكانت في يسر ونعمة، إذ كانت من وصائف قصر الإمارة في عهد إسماعيل .
يقول في معرض حديثه الطريف نقلاً عنها:
«دخلت بي على الخديو إسماعيل، وأنا في الثالثة من عمره، وكان بصري لا ينزل عن السماء من اختلال أعصابي، فطلب الخديو بدرة من الذهب، ثم نثرها على البساط عند قدميه، فوقعتُ على الذهب أشتغل بجمعه وألعب به.!
فقال لجدتي: اصنعي معه مثل هذا فإنه لا يلبث أن يعتاد النظر إلى الأرض. قالت: هذا دواء لا يخرج إلا من صيدليتك يا مولاي.
قال: جيئي إلي به متى شئت.»
ثم قال عن نفسه: «أنا إذن عربي، تركي، يوناني، جركسي.«

الحديث عن أمير الشعراء طويل ومتشعب وماتع واستقصاء جوانبه الإبداعية المتفردة لاتفي بها مقالة خاطفة كهذه ولنا أن نستأنس بما كتبه عنه الأديب الكبير الأستاذ: أحمد حسن الزيات في مجلة الرسالة بمناسبة الذكرى الثالثة لوفاته حيث قال:
«وشعر شوقي ثابت ما ثبت الحق، خالد ما خلد القرآن، مقروء ما بقي العرب،ذلك لأن الطبيعة اختارته لرسالة الشعر بعد فترة موئسة من الرسل، ثم آثرته بالنصيب الأوفى من الفكر والخيال والعاطفة، وهن الملكات الثلاث التي ترفد القريحة وتمد الطبع، وعلى تفاوتها في القوة والضعف يتفاوت الفنان في السبق والتخلف؛ ثم زوّدته بالأذن الموسيقية والقريحة السخية والأداة الطيعة، فشب عبقرياً بالفطرة، لا شأن للبيئة في تنشئته، ولا للمدرسة في إعداده، ولا للفرصة في توجيهه؛ وهل كان أثر البيئة وقفاً عليه، وتعليم المدرسة خاصاً به، ومواتاة الفرص امتيازاً له؟ إنما كان مثله في رسالة الشعر كمثل الأنبياء في رسالة الدين، يختارهم الله من الضعفاء والفقراء والأميين ليكون جلاله عليهم أبهر، ومعجزته فيهم أظهر، وحجته منهم أبلغ.
وشوقي رجل روحه أقوى من فنه، وشعره أوسع من علمه، وحكمته أمتن من خُلُقه، وقدرته أكبر من استعداده ..».

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى