لن نكتمل أبداً… وهذا يكفي

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب سعودي :
في بدايات وعينا، نظن أن الحياة رحلة نحو الاكتمال.
نسعى لأن نصبح النسخة الأفضل من أنفسنا،
الأكثر فهماَ،
الأكثر اتزاناَ،
الأقل خطأً،
وكأن الإنسان يستطيع يوماً أن يصل إلى نقطة ينتهي فيها من كل نقصه الداخلي.
ولهذا، نقضي سنوات طويلة ونحن نحاول إصلاح أنفسنا بلا توقف.
نُراجع، نُصحح، نلوم، ونضغط على أرواحنا باستمرار،
لا لأننا سيئون بالضرورة،
بل لأننا نعتقد أن السلام لا يستحقه إلا من اكتمل.
لكن ما لا ننتبه له مبكراً،
أن الإنسان لم يُخلق كاملاً أصلاً.
وأن جزءاً من إنسانيتنا يكمن في هذا النقص الذي نحاول الهروب منه طوال الوقت.
فكلما ظن الإنسان أنه تجاوز ضعفه، اكتشف ضعفاً آخر،
وكلما فهم نفسه أكثر، ظهرت له مناطق جديدة لم يكن يعرفها داخله.
وفي لحظة نضج مختلفة، يبدأ الإدراك الحقيقي.
ليس في أن تتخلص من كل عيوبك،
بل في أن تتوقف عن كراهية نفسك كلما اكتشفت واحدة منها.
تدرك أن بعض التعب لم يكن بسبب أخطائك فقط،
بل بسبب الحرب المستمرة التي كنت تخوضها ضد نفسك كي تصبح “مثالياً” أكثر مما ينبغي.
وهنا يتغير شيء عميق داخلك.
تبدأ بالنظر إلى نفسك بقدر أقل من القسوة،
وتفهم أن النضج لا يعني الوصول إلى نسخة بلا عيوب،
بل الوصول إلى درجة من السلام تسمح لك بأن تكون إنساناً، دون خوف دائم من نقصك.
ومع الوقت، تكتشف أن أكثر الناس راحة ليسوا أولئك الذين اكتملوا،
بل أولئك الذين تصالحوا مع حقيقة أنهم لن يكتملوا أبداً.
لا يعود الإنسان منشغلاً بإخفاء كل تصدع داخله،
ولا مرعوباً من كل ضعف يظهر فيه،
بل يصبح أكثر صدقاً، وأكثر خفة، لأنه لم يعد يحمل عبء الصورة المثالية طوال الوقت.
وفي هذه المرحلة، لا تختفي الأخطاء،
ولا يصبح الإنسان أكثر كمالاً،
لكنه يصبح أكثر رحمة بنفسه.
وهذا النوع من الرحمة، يغير أشياء كثيرة.
يجعلك أكثر هدوءاً مع تعثرك،
وأقل خوفاً من التقصير،
وأقرب إلى فهم الآخرين أيضاً، لأنك لم تعد تنظر إلى البشر بعين تبحث عن الكمال في كل شيء.
لعل الحقيقة الأهدأ هي أن
ربما لم تكن النجاة يوماً في أن نكتمل،
بل في أن نتوقف عن استنزاف أرواحنا ونحن نحاول ذلك.
فالسلام الحقيقي لا يأتي حين تصبح كاملاً،
بل حين تتقبل أنك لن تكون كذلك أبداً.
للتواصل : [email protected]



