أضغاث ذاكرة

✍️ مها الشاعر :
يقول أرسطو: “الذاكرة هي كتاب الروح”.
وأقول أنا: “الذاكرة هي عنوان الطريق” ، فما بين جيل حالي يستدل على الطريق بخرائط “جوجل ماب”، وجيل ماضي يستدل عليه بالنجوم والأجرام السماوية، كان هناك في المنتصف جيل لا يمكنه أن يستدل عليه إلا من خلال الذاكرة فقط .
نعم قد يُخطئ الوجهة للمرة الأولى، ولكنه سرعان ما يجد الطريق والطريقة الأسهل والأسرع والأكثر وضوحاً ودقةً مرةً تلو أخرى، وهذا كله بفعل وبفضل “الذاكرة” فقط .
ومن يملك ذاكرة أولى لا يجدر به ألا يُحسن اختيار الوجهة والإتجاه في الذاكرة الأخرى، وإن لم يتقن فعل ذلك .. فهذا حُمق .
وهذا ليس إلا تشبيه مجازي، فالطرق ليست كما يخيل لنا بأنها فقط خطوط ومسارات وإتجاهات على سطح الكرة الأرضية، فـ للقلب ذاكرة، وللروح ذاكرة، وكذلك للعقل والجسد.
ولكل منها طرق ومسارات متخمة بالأحداث والمواقف العابرة والساكن منها بالروح أيضاً، فمنذ تلك اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بإدراك كل ما يدور حوله حتى تبدأ حينها آلة التصوير البشرية “الذاكرة” بإلتقاط كل همسة ولمحة وملمس وحدس وحادث، ومن ثم تخزينها في ملفات لا نهائية تحت مسمى “ذكريات”. وما هذا إلا استدلال على الإعجاز الرباني في الخلق، فتبارك الله أحسن الخالقين.
“الذاكرة حادثة بيولوجية بالماهية” ريبو.
فالكلمة الأولى ذاكرة،والبيت الأول ذاكرة، والجار الأول وكذلك الصديق الأول والثاني وحتى العاشر منهم .. كل ذلك “ذاكرة”.
رقم الهاتف الأرضي القديم،سجادة صلاة الأم في ساعات السحر وتمتماتها، سبحة الأب وخطواته المتسارعة للحاق بالركعة الأولى.. وكذلك صوته الغاضب حين تخفق، حناء الجدة على أطراف أناملها وقبضة يدها وخصلات شعرها.. كل ذلك ذاكرة.
الخطوة الأولى ما بين الترنح والسقوط، الحرف الأول الذي أجدت كتابته،الذهاب خلسة لبقالة الحي الآخر مع ابن أو ابنة الجيران دون علم الوالدين، الرحلة الأولى بإتجاه المطار برفقة العائلة في سنين الطفولة أو مع الرفاق في ريعان الشباب.. كل ذلك ذاكرة.
النظرة الأولى، الفرحة الأولى، الخيبة الأولى، الصدمة الأولى، الفرصة الأولى وكذلك العثرة الأولى، وكل ما هو أول حتماً سيكون منه ثانٍ وثالث ورابع وعاشر أيضاً، ولكل منهم تجربة وشعور وأحداث مختلفة .. بكل ما تحمله من تفاصيل وكل ذلك “ذاكرة” .
فالذاكرة من منظوري الشخصي هي فعل شجن وحنين، بغض النظر عن طبيعة هذه الذكرى التي خطرت على بالك للتو، سعيدة كانت أم تعيسة.
نعم يا صديقُ هي الذكرياتُ الجميلَهْ
وإن رقدت خلفَ صَمتِ الأحاسيسِِِ ليستْ تموتُ:
سنينُ الدّراسَةِ، والعُمُرُ الأخضرُ ربيعُ الحَياةِ، وبستانُها المزهرُ
هي اليومَ واحةُ عمري الظليلَهْ وكم كنتُ أنعَتُها النّكَدَ المُدلَهِمَّ ألا تَذكُرُ..؟
فلم تكُ عندي سوى زمهريرِ العَناءْ وقيظِ الشَّقاءْ تَعُبُّ وتأكُلُ من مقلَتَيَّ الحُروفُ،
ورأسي تجولُ بهِ راجماتُ الصداعِ صباحَ مساءْ تدقّ به ألفُ مِطرَقَةٍ ألفُ فأسِ مَضى ..
كلّ ذلكَ دونَ انتِباهْ
كأنْ لم يكنْ من فُصولِ الحَياهْ
ومرَّ قطارُ الزمانِ وخلّفَ أثلامَهُ في الجِباهْ
ولكنْ بِوُدٍّ وطيبَهْ أعادَ لنا كلَّ ما قد محاهْ من اَعمارِنا ذكرياتٍ حَبيبَهْ
صديقي ودِدتُ لَو اَنّيَ لم أغدُ يوماً كبيرْ
لَو اَنّي بقيتُ صَغيرْ وما زالَ كلُّ الذين عَرفتُ يُنادونَني يا صَغيرْ كَأُمّي تَنادي صَغيري
ولا تَلفِظُ اسْمِي وهَمّي جِراءٌ.
محمد موفق وهبة .
وبالعودة لتعريف الذاكرة علمياً : ” هي قدرة الدماغ على تخزين واسترجاع المعلومات والخبرات، إنها عملية حيوية تسمح لنا بالتعلم والتذكرة والتفاعل مع العالم من حولنا”.
وللذاكرة أنواع عدة منها قصيرة المدى وطويلة المدى وذاكرة حسية وأخرى صريحة “تقريرية” وأيضاً ضمنية أو ما تعرف بالذاكرة الإجرائية .. وهذا ليس مجالنا في التفصيل في أمرها .. ولكن انصح بالإستزادة عنها، فالعم قوقل مُستفيض جيد له منا جزيل الشكر والإمتنان.
“وأمضى البروفيسور مارك روزنرويج طبيب النفس والأعصاب أعواماً في دراسة الخلية العصبية وسعة تخزينها، ففي بداية عام ١٩٧٤ صرّح بأنه؛ إذا ما قمنا بإدخال عشر معلومات جديدة كل ثانية في مخ أي إنسان طبيعي طوال الحياة بأكملها، فسيتم ملء أقل من نصفه فقط!.. وأكد أن مشاكل الذاكرة ليست لها علاقة بسعة المخ، ولكنها ترجع إلى إدارة الإنسان لتلك السعة غير المحدودة.” من كتاب استخدم ذاكرتك لتوني بوزان المؤلف وعالم النفس البريطاني المعروف بأستاذ الذاكرة.
أما فلسفياً فيعبر مفهوم الذاكرة عن مجموعة من التفاعلات النفسية التي تسترجع الماضي للحاضر من خلال العديد من آليات التذكر، وتتولى هذه الآليات مهمات فحص التجارب الحسية من الماضي ومعالجتها.
وتنقسم إلى نوعين وهي الذاكرة الجمعية كالذاكرة المجتمعية والذاكرة الفردية المتعلقة بتجارب كل فرد على حدة.
“على منوال ذاكرة الجسد ، نحن نضعُ مستقبلَنا وراءنا ، موضوعيّاً ، بدلاً من أن نتطلّع إليه فيما هو مقبل من الأحداث ، بواسطة اتّصالنا بالغاية التي هي موجودة أمامنا و خلفنا ، و وراءنا ، عن طريق تفكيرنا الحرّ الّلا مقيّد و غير المغلول باتّجاه خطيّ “منطقيّ” قاصر و منقوص و مزيّف ، عن طريق معاصرتنا الأصليّة للكينونة بفضل ذاكرتنا الرّوحيّة و ليس بفضل ذاكرة الجسد.
من الطبيعيّ أن تكون ، كما يُقالُ ، العربةُ خلف الحصان.. غير أننا باستخدام ذاكرتنا الجسديّة في ما يتجاوز حاجتنا المتواضعة لها ، في جعلها تقود حاضرنا ، و من ثمة ماضينا و مستقبلنا ، فإننا نجعل منها العربة التي تتقدّمنا نحن كحصانٍ متعثّر و ملجوم.
في حين أنّنا ، و مع إخلاصنا لذاكرة الروح التي تحمل فيها جميع خريطة التّقدم نحو الإبداع النموذجيّ و “المثاليّ” (على مثال) ، و نحو الغاية في معرض و سياق الأهداف ، فنحن ، عندها، نكون في موقعنا البديهيّ و الصحيح ، و السّليم ، حيث نكون نحن العربة و تكون هي الحصان.
و إذا تراءى لأحد أنّ ثمّة تناقضاً منهجيّاً في كون ذاكرة الروح هي الحصان الذي يقود عربتنا ، حيث نحن هذه العربة الكونية المقصودة بالوصول ؛ فذلك لأنّه ما زال يستعمل إيحاءات ذاكرة الجسد التي توحي له بأنه هو الأصل و ليس أصله ، أصلنا الرّوحيّ العميم ، و بالتالي ما زال يضع العربة أمام الحصان ، و ما زال يتعثّر بذاكرة الجسد التي تحتّم عليه كلّ هذه المحدوديّة في استكشاف آفاق الطريق.”
من مقالة للكاتب الرائع د.بهجت سليمان بعنوان ؛ الذاكرة والذاكرة الروحية “صورة العجلة والحصان” .. والتي أسهب فيها بالحديث عن الذاكرة الجمعية والفردية ومدى تأثير كل منهما على الفرد والمجتمع أيضاً .
وختاماً مع تساؤل غازيّ المنطق ؛
“هل للذكريات حياة ؟ هل لها روح ؟ هل لها عقل ؟ هل تشعر أنها بعد حين لن تجد مأوى في الذاكرة فتضطر إلى الهيام شريدة طريدة بلا ملجأ ؟ هل هذه الذكريات كالأرواح المنكودة التي غادرت أجسادها ولم تستطع التحرر من سجن الأرض فأصبحت أرواحاً ضائعة لا يؤويها
أحد ؟” .. غازي القصيبي.
كتاب الذاكرة :
لكل منا ذاكرته الخاصة ولكل ذاكرة كتاب ، يجمع به جميع نواحي الذاكرة البشرية للقلب وللعقل وللروح وللجسد أيضاً، احرص على تصفح كتابك بإستمرار وفلترة كل الشوائب التي تعلق بجدار الذاكرة، هذِّب القبيح.. شذِّب العاديّ، وبروز الجميل، ثم أعد ترتيبها.



