كتاب الرأي

حين يُطفئ الذكاء الاصطناعي ذكاءنا

✍️ ياسر شلوه الشاماني :

من كان يظن أن يأتي اليوم الذي نُسند فيه التفكير إلى آلات، والكتابة إلى برامج، واتخاذ القرار إلى خوارزميات؟
نعيش زمنًا لم نعد فيه نبحث عن المعلومة بجهد أو صبر، بل نطلبها بصوتنا، وتأتينا فورًا بنبرة آلة ذكية تفكر نيابةً عنا… وكأننا أوكلنا لها عقولنا بالكامل.

في هذا السياق الجديد، يبرز سؤال بسيط في شكله، لكنه عميق في دلالته:
“هل أصبح الإنسان فعلاً يعتمد كليًا على الذكاء الاصطناعي؟”

منذ أن اقتحم الذكاء الاصطناعي حياتنا اليومية، تبدّلت المفاهيم.
أصبح الموظف يكتب تقاريره بلغة لا يفهم نصفها، فقط لأنها “خرجت من آلة ذكية”.
الطالب ينجز أبحاثه بنقرة زر، بلا بحث ولا تحليل.
وحتى بعض الكتّاب والمثقفين توقفوا عن إعمال الفكر، فكل ما يحتاجه أحدهم: عبارة يكتبها في محرك ذكي… ويتلقى مقالًا كاملًا.

لكن… أين الإنسان في كل هذا؟

لم يعد التفكير مهارة تُصقل، بل “خدمة مدفوعة”.
ولم يعد الإبداع مجهودًا فرديًّا، بل “نتيجة توليدية” تُستهلك بلا جهد ولا تأمل.
صرنا أقرب إلى آلات تطلب وتستهلك، دون أن تدرك، أو تنتج، أو حتى تشكك.

الذكاء الاصطناعي ليس عدوًا للبشر.
بل هو أداة عظيمة، أبهرت العالم، وفتحت آفاقًا ما كانت لتُفتح لولاها.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في تطور الآلة… بل في تراجع الإنسان.

حين نتخلى عن قدرتنا على التأمل، ونستبدل فضولنا الفطري بـ”روبوت جاهز”،
حين نُسلّم أسئلتنا وخياراتنا وحتى رؤيتنا للحياة إلى آلة… فإننا لا نستخدم الذكاء الاصطناعي، بل نُستخدم من قِبله.

لقد أصبحت العقول التي كانت تنحت الأفكار من الصخر، تكتفي بإجابات فورية.
فأين التعلم؟ أين التمحيص؟ أين التجربة والخطأ؟ أين المواقف التي تصنع الوعي وتنحت الشخصية؟

الإنسان لم يُخلق ليكون مجرد جهاز إدخال.
ولم يُخلق ليكون مستهلكًا صامتًا للمعلومة.
بل هو كائن خُلِق ليفكر، ويحلل، ويشكك، ويجرب، ويخطئ، ويصيب.

فلنستخدم الذكاء الاصطناعي…
لكن لا نسمح له أن يُطفئ ذكاءنا.

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى