((سيادة القانون في المملكة: عدل راسخ ونفاذ حازم -اليوم العالمي للقانون))

✍️ أروى بنت مسلط العتيبي- كاتبة سعودية :
في الثالث عشر من سبتمبر من كل عام يأتي اليوم العالمي للقانون ليذكر العالم بأن استقرار المجتمعات وازدهار الدول لا يقومان على قوة الأنظمة وحدها وإنما على احترامها ونفاذها وترسيخ سيادتها حتى يصبح القانون إطارًا يحمي الحقوق وينظم الواجبات ويصون المصالح ويمنح الإنسان شعورًا راسخًا بالأمن والعدالة
وفي المملكة العربية السعودية تتخذ سيادة القانون بعدًا أعمق من كونها مفهومًا قانونيًا أو ممارسة مؤسسية إذ تستند إلى أصل راسخ في الشريعة الإسلامية التي جعلت العدل أساسًا للحكم ومنهجًا في إدارة شؤون الدولة والمجتمع
وقد جاء النظام الأساسي للحكم مؤكدًا هذه الحقيقة حين نص على قيام الحكم في المملكة على أساس العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسلامية وكفل حق التقاضي للجميع وأكد استقلال القضاء
وهكذا فإن سيادة القانون في المملكة ليست فكرة منفصلة عن هوية الدولة وإنما امتداد لمبدأ أصيل قامت عليه منذ تأسيسها وهو إقامة العدل وحفظ الحقوق وتحقيق المصلحة
وقد عبر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله عن هذا النهج بالتأكيد على أن العدل أساس الحكم وأن الحقوق تقابلها مسؤوليات والتزامات وأن تطبيق النظام هو الضمان لراحة المواطن وسلامة المجتمع ومحاسبة من يخالفه
ويأتي هذا النهج متسقًا مع تأكيد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله على قوة القانون وترسيخ النزاهة والمساءلة دون استثناء وقد جسد ذلك في موقفه الحاسم من قضايا الفساد بقوله «لن ينجو أي شخص دخل في قضية فساد أياً من كان.. لن ينجو»
فسيادة القانون لا تكتمل بالعدالة وحدها ما لم تقترن بالنزاهة ولا تترسخ النزاهة ما لم تكن المساءلة شاملة لا تستثني صاحب منصب أو نفوذ
ومن هنا تتجلى إحدى أهم ركائز النهج السعودي في أن الحقوق يقابلها واجب وأن السلطة تقابلها مسؤولية وأن الجميع أمام النظام سواء وأن حماية المال العام ومكافحة الفساد ليستا مسارين منفصلين عن العدالة بل جزء أصيل منها
القانون ليس مجرد نص يحدد الممنوع والمسموح وإنما هو البنية التي تنتظم حولها حياة الناس ومصالحهم وهو المظلة التي تحمي الحقوق وتحدد المسؤوليات وتمنح العلاقات والمعاملات قدرًا من الوضوح والثقة
ولهذا شهدت المملكة تحولًا تشريعيًا وعدليًا واسعًا ضمن مسار رؤية السعودية 2030 شمل تطوير أنظمة متخصصة تعزز استقرار المعاملات ووضوح الحقوق ورفع القدرة على التنبؤ بالأحكام ومن أبرزها نظام الأحوال الشخصية ونظام المعاملات المدنية ونظام الإثبات إلى جانب العمل على تطوير الإطار النظامي للعقوبات التعزيرية
ولم يقتصر التطوير على النصوص بل امتد إلى طريقة تقديم العدالة نفسها عبر التحول الرقمي وتطوير الخدمات العدلية الإلكترونية ومنصة ناجز والتقاضي الإلكتروني بما أسهم في تسهيل الإجراءات وتقريب الخدمة من المستفيد ورفع كفاءة العمل العدلي
كما شهد القضاء التجاري والاستثماري تطورًا يعزز بيئة الأعمال ويمنح المستثمرين مزيدًا من الوضوح والثقة من خلال التخصص القضائي وتطوير إجراءات الإفلاس والتنفيذ ووسائل تسوية المنازعات
وفي موازاة ذلك تعززت منظومة حماية المال العام ومكافحة الفساد وترسيخ النزاهة المؤسسية بما يؤكد أن التنمية المستدامة لا تنفصل عن بيئة قانونية عادلة ونزيهة وشفافة
فالقانون الفاعل لا يكتفي بأن يقول للإنسان إن لك حقًا بل يمنحه الطريق النظامي لإثباته وحمايته والوصول إليه
وعندما تكون الحقوق واضحة والالتزامات محددة والإجراءات معلومة ويكون الوصول إلى القضاء مكفولًا وتنفذ الأحكام بعد صدورها تتعزز الثقة في المجتمع وتصبح البيئة أكثر قدرة على جذب الاستثمار وتحفيز الأعمال وتحقيق التنمية
ومن هنا فإن أعمق ما يقدمه القانون للمجتمع هو الثقة
ثقة الإنسان بأن حقه محفوظ وأن ملكيته مصونة وأن العقد الذي يوقعه له قيمة وأن النزاع الذي يواجهه له طريق نظامي واضح وأن العدالة لا تتغير بتغير مكانة أطراف الخصومة
وتتجاوز أهمية القانون أبواب المحاكم لتصل إلى الثقافة المجتمعية فالوعي بالحقوق والواجبات يساعد الإنسان على حماية مصالحه وتجنب النزاعات ومعرفة الوسائل النظامية التي تكفل له حقه
ويأتي اليوم العالمي للقانون ليعزز هذه الرسالة ويعيد التذكير بالدور الذي يؤديه القانون في إحقاق العدالة وصون الحقوق وترسيخ الاستقرار وبناء مجتمعات أكثر أمنًا وقدرة على التنمية
وتتقاطع هذه الرسالة العالمية مع العناية التي توليها المملكة لمنظومتها القانونية والعدلية فقد احتضنت الرياض في سبتمبر 2026 ملتقى وزارة الخارجية الثاني لليوم العالمي للقانون بالشراكة مع المركز السعودي للتحكيم التجاري لمناقشة قضايا قانونية معاصرة ودور القانون في العلاقات الدولية وأهمية التحكيم والوساطة في تعزيز العدالة وبيئة الأعمال والاستثمار
وهذا الحضور السعودي في اليوم العالمي للقانون يحمل دلالة تتجاوز الاحتفاء بالمناسبة فهو يعكس إدراكًا لأهمية القانون في عالم تتداخل فيه المصالح وتتسع فيه العلاقات الاقتصادية والاستثمارية والدولية وتتسارع فيه التحولات التقنية
إن سيادة القانون لا تتحقق بمجرد وجود الأنظمة وإنما حين يصبح احترامها ثقافة عامة وسلوكًا مؤسسيًا وممارسة يومية
فالقانون الذي لا يحترم يبقى نصًا والقانون الذي لا يطبق يفقد أثره أما القانون الذي يجد مؤسسات تحميه وتطبقه بعدالة فإنه يتحول إلى قوة حضارية تبني الثقة وتحمي الاستقرار وتفتح الطريق أمام التنمية
وهذا هو المعنى الأعمق لسيادة القانون في المملكة العربية السعودية منظومة تستمد أصلها من الشريعة الإسلامية وقيمة العدل وتجد أساسها في نظام الحكم وتحميها مؤسسات القضاء وتترجمها الأنظمة والتشريعات وتدعمها التقنية وترسخها النزاهة والمساءلة
وفي اليوم العالمي للقانون لا تحتفي المملكة بالقانون بوصفه مجموعة من النصوص فحسب وإنما تستحضر قيمة العدل التي تقف خلفه والحقوق التي يصونها والثقة التي يصنعها والاستقرار الذي يهيئه
فالدولة التي يحكمها القانون لا تبني حاضرها فقط بل تؤسس لمستقبل أكثر وضوحًا واستقرارًا وقدرة على المنافسة
وفي المملكة العربية السعودية تبدو العناية بسيادة القانون جزءًا من مشروع أوسع لبناء دولة حديثة قوية بمؤسساتها واضحة في أنظمتها راسخة في عدلها حازمة في مواجهة الفساد وماضية في تطوير أدواتها
ذلك أن قوة القانون ليست في كثرة مواده بل في حضوره حين يحتاجه الإنسان وفي عدالته حين يختلف الناس وفي نفاذه حين تثبت الحقوق وفي نزاهته حين تتساوى أمامه المواقع والمكانات
وهنا يصبح القانون أكثر من نظام ينظم الحياة
يصبح أحد أعمدة الحضارة.
للتواصل: [email protected]



