كتاب الرأي

بين الخيول والأطفال: كيف يعيد الزمن ترتيب ما نراه ثمينًا؟

✍️ ريم منصور سلطان – كاتبة سعودية :

كان الناس قديمًا يربون الخيول لأنها ضرورة، كانت تحملهم في السفر، وتعينهم في الحروب، وتشاركهم تعب الحياة اليومية، لذلك كان الاهتمام بها نابعًا من قيمتها ودورها الحقيقي في حياة الإنسان، فقدروها وصادقوها واهتموا بها كإهتمامهم بعائلاتهم ، لكن مع تطور العالم وظهورالآلات، فقدت الخيول شيئًا فشيئًا وظيفتها وتراجع حضورها من قلب الحياة إلى أطرافها فلم نعد بحاجة لها، فتحولت عند كثيرين إلى رفاهية أو هواية أو مجرد رمز جميل للماضي يكتب في الأشعار.
وربما ما يحدث اليوم من العزوف عن الإنجاب يحمل شيئًا من هذا التحول المؤلم، وإن بدا أكثر تعقيدًا، فالمشكلة لم يعد المبرر أن تربية الأطفال أصبحت مكلفة، لكن الحقيقة التي لا نريد أن نواجهها هي أن الطفل نفسه لم يعد يحتل المكانة الوجودية التي كان يحتلها قديمًا، أصبح كثير من الناس ينظرون إلى الأبناء بوصفهم مسؤولية ثقيلة، تستهلك الوقت والراحة والمال،فلم نعد نراها امتدادًا للحياة.
لقد تغير العالم بطريقة جعلت الإنسان يخاف من الالتزام طويل المدى، فالطفل لم يعد يُرى كجزء طبيعي من دورة الحياة، لكنه أصبح يرى كمشروع يحتاج تضحيات دائمة وصبرًا لا ينتهي أمر لا يتناسب مع إيقاع الحياة المادية ، ومع صعود الفردانية الحديثة، أصبح الإنسان يضع ذاته في المركز الأول فراحته النفسية، وحريته، ووقته الخاص وكل ما يهدد هذه المساحة يُنظر إليه كعبء ثقيل حتى لو كان طفلًا.
ولهذا لم يعد السؤال عند كثيرين: كيف أربي أبناء صالحين؟ ولكن السؤال المطروح هو: ماذا سأخسر إن أنجبت؟ وهذا التحول يكشف شيئًا عميقًا في روح العصر، فالعالم الحديث أقنع الإنسان أن قيمة الأشياء تُقاس بالعائد المباشر، العمل يمنح مالًا، النجاح يمنح مكانة، العلاقات تمنح متعة أو دعمًا نفسيًا، لكن تربية الأطفال؟ فهي عملية طويلة المدى، مرهقة، لا تقدم نتائج فورية، ولا تمنح شعورًا سريعًا بالإنجاز، وحتى أن البر غير مضمون، لذى أصبحنا نراهم بعين الشك حيث يكون السؤال الغير معلن: هل هذا التعب سوف أراه وأستفيد منه مستقبلاً؟ أم ساخسر كل شيء عند نهاية الطريق؟
في الماضي، كان الإنسان يعلم يقينا أن أبناءه سوف يصونون العشرة ويكونوا سند لشيخوخته، ويرى في تربيتهم نوعًا من الاستمرار الإنساني والروحي أباء فابناء ثم يكبر ليحتضن سعيداً الأحفاد، قرية صغيرة تصونه عند الضعف هكذا كانت تركيبة العائلة ، أما اليوم، فقد أصبح كثيرون يشعرون أن الأبناء يستهلكون أعمارهم دون عائد واضح ، وهذا التفكير رغم قسوته ليس نابعًا دائمًا من انعدام الحب،لكنه صدرمن ثقافة كاملة جعلت الإنسان يقيس كل شيء بمنطق الربح والخسارة.
فالطفل بطبيعته لا يناسب هذا العصر السريع، لأنه يحتاج وقتًا بطيئًا، وإصغاءً طويلًا، وصبرًا لا يمكن إختصاره، يحتاج حضورًا حقيقيًا لا مجرد توفير ماديات، لكن الإنسان الحديث يعيش في عالم يطالبه بالإنتاج المستمر، حتى أصبح يقف حائر عند موضوع الأطفال فيشعر أنه مرهقًا حتى من الفكرة أنه سيمنح جزءًا كبيرًا من حياته لكائن يحتاجه بهذه الكثافة.
لذا نرى كثيرًا من الأطفال يكبرون وهم يشعرون أنهم ينافسون هواتف أبائهم على الانتباه، أو يعلمون يقينا أنهم يشكلون عبئًا غير معلن على هدوئهم النفسي، والمفارقة المؤلمة أن العالم يتحدث كثيرًا عن الصحة النفسية، لكنه ينسى أن جذور النفس تبدأ من الطفولة، وأن الطفل الذي لا يشعر بأهميته، سيقضي جزءًا كبيرًا من عمره يبحث عن قيمته في الخارج.
أزمة هذا العصر أصبحت في تبدل مفهوم القيمة الإنسان نفسه، فحين يصبح الإنسان عاجزًا عن رؤية المعنى في الأشياء التي لا تمنحه ربحًا مباشرًا، فإنه يبدأ بخسارة أكثر الجوانب إنسانية فيه، وربما لهذا لم يعد السؤال الحقيقي: لماذا أصبحت تربية الأطفال صعبة؟ولكن السؤال الأهم : لماذا أصبح الإنسان الحديث يخاف من الحب الذي يتطلب مسؤولية طويلة وصبرًا عميقًا؟

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى