*الحمد في لحظات الابتلاء… كيف يُنقذ الشكر أرواحنا؟*

✍️ صفيه حسن ملا – كاتبة سعودية :
يمرّ الإنسان في حياته بمحطات لا تشبه ما رسمه في خياله. أيام يثقل فيها القلب، وتزدحم الأسئلة في الروح، ويشعر المرء وكأن الحياة تسير بعكس ما تمنّى. وفي لحظات الابتلاء هذه تحديدًا، يظن البعض أن الحمد يصبح صعبًا أو مؤجلًا حتى تنتهي العاصفة، بينما الحقيقة أن الحمد في أشد اللحظات ألمًا قد يكون أعظم أسباب النجاة النفسية والروحية.
فالحمد ليس مجرد كلمة تُقال بعد النعم فقط، بل عبادة عظيمة تكشف مقدار تعلق القلب بالله. أن يحمد الإنسان ربّه وهو موجوع، فهذا لا يعني أنه لا يشعر بالألم، بل يعني أنه يؤمن أن خلف هذا الألم حكمة ورحمة لا يراها الآن. وقد علّمنا القرآن أن الابتلاء جزء من طبيعة الحياة البشرية، فقال سبحانه:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]، ولم تكن البشارة هنا لمن لم يتألم، بل لمن صبر وربط قلبه بالله وسط الألم.
إنَّ الحمدَ في وقتِ الابتلاءِ يغيّر نظرةَ الإنسانِ إلى الحياةِ؛ فبدلاً من الغرقِ في تساؤل: “لماذا حدثَ هذا لي؟” يبدأُ الانسان بالتساؤل: “ما الخيرُ الذي يخبّئُه اللهُ لي في طيِّ هذا القَدر؟”
وهنا يبدأُ التحوّلُ النفسيُّ الحقيقيُّ.
فحين يعتادُ المرءُ الشكرَ حتى في أحلكِ الظروفِ، يكتسبُ اتزاناً نفسيّاً أكبرَ وهدوءً في مواجهةِ الصعابِ؛ إدراكاً منه بأنَّ الحياةَ ليست كاملةً، وأنَّ الناسَ جميعاً يمرّون بابتلاءاتٍ متفاوتةٍ، غيرَ أنَّ الفارقَ الحقيقيَّ يكمنُ في طريقةِ التعاملِ معها.
وقد وصفَ النبيُّ ﷺ حالَ المؤمنِ وصفاً بليغاً بقوله: عَجِبْتُ لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرَهُ كُلَّهُ خيرٌ، إن أصابَهُ ما يحبُّ حمدَ اللَّهَ وَكانَ لَهُ خيرٌ، وإن أصابَهُ ما يَكْرَهُ فصبرَ كانَ لَهُ خيرٌ، وليسَ كلُّ أحدٍ أمرُهُ كلُّهُ خيرٌ إلَّا المؤمنُ (رواه مسلم). هذا الحديث لا يقدّم توجيهاً دينياً فحسب، بل يرسّخ قاعدةً نفسيةً عميقة؛ فالمؤمن لا يعيش أسيراً للظروف، بل يمتلك قدرةً ذاتية على تحويل الألم إلى معنى، والخسارة إلى قُربٍ من الله، والتعب إلى عبادة.
ومن أجمل آثار الحمد النفسية أنه يقي الإنسان من الانهيار الداخلي؛ فعندما يركّز العقل على المفقود فقط، تتضخّم المعاناة، بينما يُعيد الحمدُ تذكيرَ القلبِ بما تبقّى من نعم، مهما صغرت. وقد يفقد الإنسان شيئاً عزيزاً، لكنه يظلّ محاطاً بأبوابٍ من الرحمة؛ كصحّةٍ، أو أهلٍ، أو قدرةٍ على الدعاء، أو فرصةٍ جديدة، أو قلبٍ ينبض بالإيمان. ولذا كان النبي ﷺ يقول: “الحمد لله على كل حال”؛ وهي جملةٌ وجيزة، لكنها تحمل في طيّاتها رضا عظيماً، وتسليماً يُخفف عن النفس ثقل الصراع مع الأقدار.
ولعل أجمل ما في الحمد أنه لا يشترط اكتمال السعادة؛ فكثيرٌ من الناس يرجئون شكر الله إلى حين انتهاء مشكلاتهم، بينما تبدأ الطمأنينة الحقيقية قبل زوال الكرب، حين يتصالح القلب مع خالقه.
يقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5، 6]. ولعل التأمل في حرف الجر “مع” يمنح القلب سكناً؛ فالله لم يقل إن اليسر يأتي عقب العسر فحسب، بل أكد أنه يصاحبه، ويرافقه، وقد يختبئ في ثناياه. وكم من إنسانٍ ظنَّ الابتلاء نهايةً لحياته، ثم اكتشف بعد حينٍ أنه كان بدايةً لنضجه، أو عودةً إلى ربه، أو استكشافاً لقوةٍ كامنةٍ في أعماقه.
يقول الشاعر:
إذا ضاقتْ بك الدنيا ففكِّر في “ألم نشرحْ”
فـعـسرٌ بين يسـرينِ متى تذكـرْهـما تفـرحْ
إنّ الحمد لا يُغيّر الأقدار، لكنه يُغيّر الإنسان نفسه؛ إذ يمنح روحه اتساعاً، وقلبه سلاماً، ونظرته للحياة توازناً. ولهذا، فإنّ أعظم ما يمكن للمرء فعله حين تُثقله الدنيا، أن يرفع قلبه إلى الله قائلاً بصدق: “يا رب، لك الحمد حتى وإن غابت عني حكمتك؛ فأنا على يقين بأنك أرحم بي من نفسي”.
فثمة أرواح لا يُنقذها من الغرق إلا الحمد.
للتواصل : [email protected]



