مستقبل الأضحى: هل يستطيع الجيل القادم الحفاظ على روح الأضحى؟

✍️ ريم منصور سلطان – كاتبة سعودية :
في كل عيد أضحى لا تُذبح الأضاحي وحدها،هي تبعث معاني عميقة في الذاكرة الإسلامية معاني كثيره منها التقرب إلى الله ، والتكافل الإنساني، وصلة الرحم، وأهمها هي الطاعة، فالعيد لم يكن يومًا مجرد طقس موسمي،هي حالة روحية وإجتماعية تعيد تذكير الإنسان بجذوره الإيمانية، وبالعلاقة التي تربطه بالله وبالناس من حوله وتخرجه من الفردانية التي يعيشها طوال السنه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم وسط التحولات المتسارعة: هل سيستمر الجيل القادم (جيل ألفا وما بعده) في إقامة شعيرة الأضحى بذات الزخم والامتثال؟ أم أننا سنشهد تراجعاً أو تحوراً في ممارسة هذا النُسك؟ وما هي التبعات على بنية الإسلام الاجتماعية والروحية؟
أولا يجب أن نعلم أن هذا الجيل لا يتلقى الدين في بيئة معزولة، فلم تعد الشعائر الدينية تُورث تلقائيًا كما كانت في الماضي، إنما عبرالعولمة الثقافية العابرة للقارات، وأخطر ما يتلقاه هذا الجيل منها هو خطابان: الاول خطاب (الأنسنة) الذي تربى عليها منذ نعومة أطرافة عبر افلام الكرتون الذي حول الحيوان إلى ند للبشر فربط نفسه ومشاعرة بالحيوان، أما الخطاب الاخر فهو خطاب (الحركات النباتية) والدعوات البيئية العالمية التي تحاول صبغ ذبح الأنعام بصبغة القسوة، متجاهلةً العمق الفلسفي والتكافلي للشعيرة، ومحاولةً إحلال مفهوم الإنسانية المجرد بدلاً من الامتثال التعبدي.
إن الشعائر لا تموت فجأة، بل تذبل حين تفقد معناها الداخلي، فبعض الأبناء لم يعودوا يعيشون تجربة العيد كما عاشها آباؤهم، لم يعودوا يشاهدون تفاصيل الأضحية، ولا يشعرون بروح المشاركة الجماعية، هم يتلقون العيد أحيانًا بوصفه إجازة قصيرة أكثر من كونه شعيرة ذات معنى، قد يبقى شكل العيد حاضرًا، الملابس الجديدة، الإجازة، التجمعات، وربما حتى الأضحية نفسها، لكن الخطر يبدأ حين تتحول الشعيرة إلى عادة اجتماعية منفصلة عن بعدها الروحي، فالإسلام لم يرد من الأضحية مجرد الذبح، هو أراد استحضار معنى الطاعة والامتثال والرحمة والتكافل، والأطفال يتعلمون الدين بالـمُشاهدة والمعايشة قبل القراءة، فمشهد الأضحية، واجتماع العائلة، والتقسيم، ورائحة العيد، هي مرتكزات بصرية تحفرالهوية الإسلامية في الوجدان، وغياب هذه المظاهر يُفقد الإسلام ميزته كدين حي يُعاش بكافة الحواس، ويحوله إلى نصوص نظرية في الكتب والمنصات.
إن الجيل القادم لا يحتاج فقط إلى أن يُطلب منه أداء الشعائر، ولكنه يحتاج إلى أن يفهم لماذا يفعلها، وكيف تمنحه هذه الطقوس معنى أعمق للحياة والانتماء والرحمة، فالأضحية ليست مجرد ذبح، هي تذكير بأن الإنسان لا يعيش لنفسه وحدها، وأن الإيمان الحقيقي يظهر في العطاء والتقرب والقدرة على مشاركة الآخرين أفراحهم واحتياجاتهم.
وفي النهاية، إن مستقبل شعائر الأضحى ليس معلقًا بالجيل القادم وحده، بل بالطريقة التي سننقل بها هذا الإرث الروحي إليه، فإما أن نورث أبناءنا الدين كعادة موسمية قابلة للذبول، أو نورثهم المعنى الحي الذي يجعل الشعائر قادرة على البقاء مهما تغيّر الزمن.
للتواصل : [email protected]



