كتاب الرأي

يوم عرفة حين تُختبر القلوب بين التسامح والقطيعة

✍️أ. د . محمد شايع الشايع – إكاديمي وكاتب.         بجامعة الملك سعود : 

في زحام الحياة، وتراكم المواقف، وتفاوت الطباع، قد تتغيّر العلاقات، وتدخلها مساحات من الجفاء أو الصمت أو القطيعة، حتى يصبح بعض الناس أسرى لمشاعر الضغينة، يحملون في قلوبهم أثقالًا من العتب والغضب والخذلان. ومع مرور الأيام، تتحول بعض القلوب إلى ساحات مزدحمة بالحسابات القديمة، وكأن الإنسان خُلق ليُحصي أخطاء الآخرين لا ليبحث عن سلامه الداخلي.

لكن يوم عرفة يأتي كل عام ليعيد ترتيب المعاني في النفوس، وليذكّر الإنسان أن الحياة أقصر من أن تُستهلك في الخصام، وأن القلب الممتلئ بالكراهية لا يستطيع أن يتذوق طمأنينة القرب من الله.

في يوم عرفة، لا يقف الناس عند حدود الدعاء فقط، بل يقفون أمام أنفسهم أيضًا، يراجعون علاقاتهم، ويستحضرون من هجروهم، ومن أخطأوا بحقهم أو أخطأ بحقهم. وهنا يظهر الفرق بين قلب يريد الانتصار لنفسه، وقلب يريد النجاة عند الله.

فالتسامح ليس ضعفًا، بل رفعة نفس، ونضج روح، وإدراك أن بعض المعارك لا تستحق أن نخسر بسببها سلامنا الداخلي. والعفو لا يعني إنكار الألم، بل يعني التحرر من سطوته، وعدم السماح له بأن يتحول إلى ظلمة دائمة داخل القلب.

ومن أخطر ما تخلّفه الخصومات المستمرة أنها تتحول مع الزمن إلى توريث للشر، فينشأ الأبناء على الكراهية، ويكبرون وهم يحملون مواقف لم يعيشوها أصلًا، فيرثون القطيعة كما يرثون الأسماء والملامح. فيتحول الخلاف الفردي إلى انقسام عائلي ممتد، تتوارثه الأجيال حتى تضيع معه معاني الرحمة وصلة الرحم.

وهنا تصبح القطيعة أكثر من مجرد خلاف عابر، بل ثقافة تؤسس للبعد والجفاء، وتزرع في النفوس القسوة والتشفي والانتقام. والأسوأ من ذلك أن الإنسان قد يعتاد هذا الشعور حتى يظن أن بقاءه على الضغينة نوع من القوة، بينما الحقيقة أنه يستنزف روحه ويثقل قلبه ويحرم نفسه من سكينة كان يمكن أن يعيشها.

ومن أعظم ما يفسد العلاقات قطيعة الرحم، فهي ليست مجرد انقطاع زيارة أو غياب تواصل، بل انكسار لمعنى إنساني عظيم جعله الله موصولًا باسمه سبحانه “الرحم”. ولذلك جاءت النصوص الشرعية شديدة التحذير من القطيعة، لأن الإنسان حين يهجر رحمه، فإنه لا يقطع أشخاصًا فقط، بل يقطع أبوابًا من البركة والرحمة والسعة.

وفي يوم عرفة تحديدًا، يقف المؤمن طامعًا في المغفرة وإجابة الدعاء والعتق من النار، فكيف يطلب من الله العفو وهو يغلق قلبه عن العفو؟ وكيف يرجو الرحمة ممن وسعت رحمته كل شيء، بينما يضيق صدره عن التسامح مع البشر؟

إن من أعظم موانع صفاء القلب وقبول العمل استمرار الخصومات والقطيعة والظلم، لأن الدعاء الخارج من قلب مثقل بالحقد يفتقد شيئًا من روح الطمأنينة والخضوع لله. وليس المقصود أن يتنازل الإنسان عن حقه أو يسمح بالأذى، بل أن يطهّر قلبه من الرغبة في الانتقام، وأن يترك أمره لله بعدل ورحمة.

فالمؤلم أن بعض الناس يرفع يديه في يوم عرفة يسأل الله الصفح والستر والرزق، بينما بينه وبين رحمه سنوات من الهجر، أو في قلبه دعوات بالسوء وتشفيًا بمن حوله. وكأن الإنسان يريد رحمة السماء، لكنه يبخل برحمة الأرض.

وفي المقابل، ما أعظم أثر الصلح والوصل في أيام فاضلة كيوم عرفة، حين يبادر الإنسان برسالة، أو اتصال، أو كلمة طيبة، أو دعوة صادقة تزيل تراكمات السنين. فبعض العلاقات لا تحتاج معجزات لتعود، بل تحتاج قلبًا أكثر رحمة، ونفسًا أقل كبرياء.

ويوم عرفة ليس يومًا للخصومة، بل يوم تُرفع فيه الأكف إلى السماء، وتفيض فيه الرحمة الإلهية على العباد. ويا خسارة من وقف يدعو الله بالمغفرة وقلبه ممتلئ بالحقد على الناس. فكيف يرجو الإنسان عفو الله، وهو يعجز عن العفو عن خلقه؟

إن من أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في يوم عرفة أن يخفف قلبه، يسامح من أساء إليه، ويترك لله ما أوجعه، ويدعو لمن ظلمه بالهداية، لا لأنهم يستحقون دائمًا، بل لأنه يريد قلبًا نقيًا يستحق رحمة الله.

فالقلوب المتسامحة أقرب إلى الطمأنينة، وأقرب إلى القبول، وأخف حملًا في الدنيا والآخرة. أما الضغينة فهي نار صامتة، أول من تحرقه صاحبها.

وفي يوم عرفة، وبين الدعوات والدموع والرجاء، يبقى أعظم المكاسب ليس فقط أن تتحقق أمنياتنا، بل أن نعود إلى الله بقلوب أنقى، ونفوس أهدأ، وعلاقات أصلح، ورحمة تسكن أرواحنا قبل بيوتنا.

اللهم أصلح ذات بيننا، وألّف بين قلوبنا، وانزع من صدورنا الغل والحقد والقطيعة، واجعل يوم عرفة بداية سلام داخلي ورحمة تمتد إلى من حولنا .

للتواصل : [email protected].

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى