نفحات ربانية ..ويوم عرفة فرصة العمر الغالية في عشر ذي الحجة

✍️بدرية المليحي – كاتبة سعودية :
يستيقظ العالم الإسلامي على إشراقة اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، يوم “عرفة” العظيم، الذي يمثل ذروة النفحات الربانية، وموسم التجلي الإلهي الأكبر. وبينما تقف قوافل الحجيج على صعيد عرفات الطاهر في مشهد مهيب يجسد وحدة الأمة وتضرعها، تتوجه قلوب ملايين المسلمين في بقية بقاع الأرض نحو السماء، مستعدين لاستقبال ساعات حاسمة لا تُعوض في فضيلتها ومكانتها.
إننا لسنا أمام يوم عادٍ، بل أمام اليوم الذي اختصه الله سبحانه وتعالى بالذكر والتعظيم، وجعله أفضل أيام الدنيا. وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الرسالة وأتم النعمة على الأمة الإسلامية، ونزلت فيه الآية الكريمة: **{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}** [المائدة: 3].
وفي السُّنة النبوية، يتجلى عظم هذا اليوم في مباهاة الله تعالى بأهل الموقف ملائكتَه، وكثرة العتق من النيران وغفران الخطايا؛ فعن عائشة رضي الله عنها، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
> **«مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟»** [رواه مسلم].
لكل من لم يُكتب له التواجد في المشاعر المقدسة ، فتحت الشريعة الإسلامية السمحة نافذة كبرى لتعويض الأجر ومشاركة الحجيج في النفحات من خلال عبادة “الصيام”.
وصوم (يوم عرفة لغير الحاج) هو سُنة مؤكدة تحمل مكافأة ربانية مذهلة؛ إذ إن صيام هذه الساعات القليلة مخلصًا لله عز وجل يكفر ذنوب عام كامل مضى، وعام كامل مقبل (والمقصود بها صغائر الذنوب والخطايا).
> عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَالَ: **«يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ»** [رواه مسلم].
الاستعداد في هذا اليوم المبارك، يجب أن يكون مختلفًا وبهمة عالية عبر خطوات عملية:
1. النية الصادقة للصيام:وعقد العزم على استغلال اليوم في الطاعة والبعد عن الملهيات.
2. الاستثمار في الدعاء:فالدعاء بإذن الله مستجاب، وهو خير ما يشتغل به العبد، خاصة في وقت العشية (من بعد العصر وحتى مغيب الشمس). قال ﷺ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ» [رواه الترمذي].
3. اللهج بالذكر الحكيم:بالإكثار من أذكار اليوم العظيم، وعلى رأسها التوحيد، لقوله ﷺ في تمام الحديث السابق: **«وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»**.
4. تطهير القلب وتفريغه:التسامح، والصدقة، وصلة الرحم، وإدخال السرور على الأهل والمحتاجين، استقبالاً ليوم العيد.
إن يوم عرفة فرصة قد لا تتكرر في عمر الإنسان، وساعاته تمر سريعًا كدقائق، فالكيس الفطن هو من يتهيأ له ليكون من الفائزين برضوان الله، والمستورين بعفوه، والمعتوقين من نيرانه.
للتواصل : [email protected]



