” رسالة من عَتَبة حفظ النعمة”

✍️ جزاع السهو – كاتب سعودي :
تجربة حقيقيه لشخص تُجسد ملامحه ظاهرة تستحق التأمل والنقد : يقول منذ فتره كنت في زياره لدولة عربية مجاورة في رحلة جمعت بين السياحة والاستشفاء. هناك مررت بطبيبٍ خاص ومتميز كانت تجمعني به معرفة سابقة وتطورت علاقتنا لتتحول إلى صداقة ولم تكن مجرد استشفاء بل تحولت في محطاتها لعلاقات أخويَّه وتبادل زيارات!!!
…وتمرُّ الأيامُ لتجمعنا مجددًا بزياره على أرض الوطن وتحديدًا في شمالنا المضياف حيث حلّ الصديق ”اخي الطبيب” ضيفًا عليّ لثلاثة أيام وكعادة مجتمعنا السعودي الأصيل في الاحتفاء بالضيف منذو قدومه يقابل بالترحيب و التقاليد الاصيله من المظيف واقاربه ”ومن شبَّه لشبَّه ” مظائف القهوه السعودية وحضر معي مناسبة زواج حفلت بـ “فرط الضيافة”
التي يتوارثها مجتمعنا كابرًا عن كابر !!!
… إتضحت على ظيفي ملامح إنبهار وكأن هناك صوتٌ آخر يتردد في صدره صوتٌ لم يستطع كتمانه طويلاً !!!
…في لحظة صفاء ومكاشفة تحدث إليّ بنبرة تملأها الحرقة وعتب محب ولم يكن عتابه نابعًا من جحودٍ للحفاوة بل من صدمةِ المشهد بعينها قال لي بمرارة “أنا أؤمن بالترحيب وإكرام الضيف وليس غريبا أنني شاهدت ذلك في وسائل التواصل كثيراً لكن ما رأيته بأم العين هنا يتجاوز حدود السمع ومقاطع التواصل كرم يدخل في دائرة الإسراف والتبذير الشديد بالنعم إنه لأمر مؤسف حقًا أن تُدار المناسبات بهذه الطريقة وعلى وعي العصر الحديث” !!!
…تابع كلامه والأسئلة تتقاطر من عينيه عتبًا ولومًا:
_أين حفظ النعمة؟ كيف تُمدّ موائد تكفي قبيلة بأكملها لعددٍ محدود من الناس ثم يكون مصير الفائض الهدر…؟ أين حفظ النعمة…؟
_ لماذا لا نشهد تقنين وتوازن حقيقيَّاً في “الزواجات الجماعية” اواشخاص تضبط النفقات وتحمي النعم من الزوال؟
_أين الإنسانية والمسؤولية؟ في الوقت الذي يبيت فيه بشر في زوايا بلداننا والعالم حولنا يبحثون عن كسرة خبز أو يسير طعام في الشوارع نرى هنا نعمًا عظيمة لا تُصان كما ينبغي !!!
…امسكتُ كلماته في نفسي وفي وقفة مع الذات انتقاد في محله نعم ياترى كم من بشر متعفف ” يتضوَّر ” جوعٍاً وقلة
زادٍ” ولم أكن أجد مفرًا من الاعتراف بوجع الحقيقة لقد كان محقًا في كل حرف فالكرم لا يعني أبدًا الاستعراض والجود لا يتطلب التبذير إن نبرة ظيفي الصَّادقه جعلتني أرى ممارساتنا المعتادة بعينٍ أخرى ترى في “المبالغة” هدرا للمكتسبات والنعم !!!
…إن صيانتها ليست مجرد خيار بل هي واجب ديني وأخلاقي وإجتماعي وفي خضم هذه التأملات لا نملك إلا أن نرفع أكف الضراعة: “اللهم أدم علينا نعمك واحفظها من الزوال وارزقنا شكرها بالقول والعمل والاعتدال” !!!
للتواصل : [email protected]



