الفراغ… حين يصبح الصمت مزدحمًا بكل شيء

✍️ صفيه ملا –كاتبة سعودية:
في عالمٍ يزداد صخباً يوماً بعد يوم، يبدو الفراغ للوهلة الأولى رفاهيةً يتمناها الجميع؛ ساعاتٌ بلا التزامات، وأيامٌ خالية من الضغوط، ووقتٌ طويلٌ للراحة. غير أن المثير للدهشة هو أن الإنسان أحياناً لا ينهكه الانشغال بقدر ما ينهكه الفراغ. فالروح البشرية خُلقت لتتحرك، وتسعى، وتتعلم، وتستشعر حيويتها، لذا يتحول الفراغ المديد إلى عبءٍ ثقيل، وإن بدا في ظاهره مريحاً.
إن أخطر ما في الفراغ أنه يبدأ صغيراً؛ دقائق ممتدة بلا هدف، وتأجيلٌ مستمر، وشعورٌ ثقيل بالملل، ثم يتحول تدريجياً إلى عادةٍ تسرق حماس الروح. فالوقت الذي لا يُستثمر فيما ينفع، غالباً ما يمتلئ بما يرهق القلب ويُضعف العزيمة. ومن أهم آثار الفراغ أنه يدفع الإنسان لاختلاق معارك وهمية داخل رأسه؛ فحين يغيب العمل الذي يملأ العقل، يبدأ هذا العقل بصنع القلق، واستدعاء الذكريات المؤلمة، وتضخيم المخاوف الصغيرة. لذا، نجد أن بعض الناس لا تؤذيهم مشاق الحياة بقدر ما يؤذيهم وقتُ الفراغ الذي يتركهم رهائن لأفكارهم؛ فالفراغ لا يلتهم الوقت فحسب، بل ينهك الإنسان نفسه. فالعقل الذي لا يشتغل بالبناء، يبدأ بالتفكير في الهدم، والروح التي لا تجد ما يغذيها من علمٍ، أو عملٍ، أو عبادةٍ، أو علاقةٍ طيبة، تذبل بصمت. ولذلك، نرى كثيرين ممن يملكون كل أسباب الراحة المادية، يئنون تحت ثقل الحياة، لأن أرواحهم تعاني من فراغٍ داخليّ مؤلم.
والأغرب أن الفراغ لا يتجلى دائماً في هيئة “لا شيء”، بل يتخفى أحياناً في رداء الازدحام؛ ساعات طويلة من استهلاك المحتوى الرقمي، وتنقل مستمر بين المقاطع والصور والأخبار، وضحك عابر ومعلومات تتلاشى من الذاكرة في دقائق. قد يبدو الإنسان منشغلاً طوال يومه، لكنه في الحقيقة يعيش حالة من الفراغ المليء بالضجيج الذي أفرزه العصر الحديث.
وثمة نوع آخر أكثر عمقاً؛ وهو فراغ الروح. فربما يملك المرء وظيفة ومالاً وعلاقات تبدو مثالية، لكنه يشعر في داخله بنقص غامض؛ وذلك لأن الروح لا تكتفي بالترفيه، بل تنشد المعنى. ومن هنا تبرز علاقة الإنسان بربه كحصنٍ من هذا الفراغ الخفي؛ فالصلاة ليست مجرد شعيرة، بل محطة لاستعادة التوازن وسط فوضى الحياة، والقرآن ليس مجرد نص يُقرأ، بل هو ملاذٌ يمنح النفس الدفء والسكينة حين تضيق بلا سبب واضح.
ومن الأفكار اللافتة أن الفراغ قد يسرق العمر دون أن يسرق الوقت؛ فتمضي السنوات سريعاً، لكن المرء لا يشعر أنه عاشها حقاً؛ إذ لم يترك فيها أثراً، أو يصنع ذكرى خالدة، أو يضف شيئاً لنفسه أو لغيره، فتبدو الأيام نسخاً مكررة، بلا روحٍ أو غاية. ولا يعني هذا أن يغرق الإنسان في مشاغله حتى الإنهاك، بل أن يحيى حياة ذات معنى، بامتلاك هدف يدفعه للنهوض كل صباح، مهما كان بسيطاً؛ كقراءة كتاب، أو تعلم مهارة، أو تربية طفل، أو تطوير فكرة، أو حتى لحظات صفاء روحاني. فالأعمال الصغيرة التي تمنح الحياة جوهرها، كفيلة بحماية الإنسان من فراغٍ قد يبتلع أجمل سنوات عمره.
قيل قديماً إن النفس إن لم تُشغل بالحق شغلت صاحبها بالباطل؛ ولعل هذا هو السبب وراء كثرة الانفعالات والمشكلات الصغيرة في حياة البعض؛ فالحياة ليست صعبة دائماً، لكن الفراغ يضخّم التفاصيل التافهة ويمنحها أكبر من حجمها الحقيقي. والأخطر في الفراغ أنه لا يداهمنا بوجه مخيف، بل يتسلل إلينا بهدوء في صورة راحة، مُقنعاً إيانا بأن التأجيل أمر بسيط وبأن ضياع الساعات لا يضر، حتى نكتشف بعد سنوات أن جزءاً كبيراً من أعمارنا قد تسرب بصمت.
لا تقتصر حاجة الإنسان على ملء يومه بالإنجازات العظيمة، بل تمتد لتشمل عيشه بوعي؛ كالقراءة، والتعلم، والعمل، والتقرب إلى الله، ومجالسة الأحبّة، وزرع فكرةٍ نبيلة، أو حتى منح النفس لحظة تأملٍ صادقة بعيداً عن ضجيج العالم. فحين يملأ الإنسان وقته بما يحب وينفع، يغمره شعورٌ بالخفّة والطمأنينة، ويكتسب يومه قيمةً ومعنىً وبركة. إن الانشغال بما يفيد ليس حرماناً من الراحة، بل هو حصنٌ للقلب من الضياع.
فالوقت ليس مجرد شيء نستهلكه، بل هو ما يستهلكنا أيضاً.
وفي نهاية المطاف، لا يُقاس العمر بعدد السنين، بل بما نملؤها به؛ فالفراغ قد يسرق الحياة بصمت، أما الإنسان الواعي فهو الذي يصنع من وقته حياةً، ومن أيامه أثراً يبقى.
للتواصل: [email protected]



