هل ما زالت الشركات ترى الإمهات؟

✍️ ريم منصور سلطان –كاتبة سعودية :
بين أروقة المكاتب الزجاجية الباردة و طيات أنظمة أوراكل، ولد نوع جديد من الاغتراب ، حيث تتحول الأرقام إلى آلهة تُعبد، وتبدأ الشركات في فقدان “إنسانيتها”، ويتحول الموظف من كائن يحمل قلقاً وأحلاماً ، إلى مجرد “ترس” في ماكينة الإنتاج، فيختفي هذا الإنسان أحيانًا خلف الأدوار الوظيفية، وكأنه لم يعد شخصًا إنما يعرف بأنه مسمى وظيفي يؤدي مهمة يمكن إستبداله، وتأتي المشكلة الاكبر عند المرأة فكثير من الشركات تنظر إليها وكأن الأمومة خلل مهني يجب أن تعاقب عليه لا مسؤوليه إنسانية تستحق الفهم.
إن المشكلة لا تبدأ من القوانين فقط ، إنما في الثقافة المخفية التي تسكن بيئة العمل، فالموظفة الأم في كثير من البيئات لا تُرى بوصفها كيانًا حيًا يحمل مشاعر ولديها أحلام ،فعندما تتاخر الأم لأن طفلها كان يبكي بحرارة لفراقها تسجل عليها ملاحظة، وحين تطلب المغادرة من العمل لموعد طبي طارئ يخفض تقييمها بوصفها أقل إلتزاما، المؤلم أن بعض الشركات لا تعاقب الأم بشكل مباشر، هي تمارس نوعًا أكثر قسوة من العقاب الصامت، إقصاء غير معلن في الترقيات، تشكيك مستمر في الجدية، وتقليل من قيمة الجهد المبذول، عندما يُختزل الإنسان في رقم على لوحة الأداء ،يبدأ التحوّل من إنسان إلى آلة صغيرة داخل آلة أكبر، ويُطلب منه أن يكون دقيقًا، سريعًا، ثابتًا بلا إرتباك وبلا مساحة للخطأ الإنساني أو بلا حياة خارج المنظمة.
الإنسان بطبيعته كائن حي يتأثر، يتعب ، ويحتاج إلى معنى فيما يفعل، لا مجرد أداة تنفيذ لما يُطلب منه ،فعندما تتحول المرأة إلى أم والذي يخفى على هذة الشركات يتطور داخلها مهارات نادرة: الصبر، إدارة الأزمات، التحمل، التنظيم، والقدرة على العمل تحت ضغط نفسي هائل. ولكن وحين تتوحش الشركات وتعامل موظفيها وكأنهم أدوات قابلة للاستبدال، فإنها لا تفقد فقط ولاءهم هي تفقد شيئًا أعمق:الا وهو روح الإنتماء وصدق الإنجاز.
إن التعامل مع الموظفين كبشر لا يعني تقليل الانضباط هي تعني إعادة تعريف هذة العلاقة ، فالإنسان يعمل بكفاءة أعلى حين يشعر أنه مُقدر، وحين يُسمح له بأن يكون على طبيعته، لا نسخة مكررة من نموذج مثالي جامد مستحيل القياس والعدالة في بيئة العمل لا تُقاس فقط بالرواتب، إنما أيضًا بالاستماع والمرونة، والاعتراف بأن خلف كل جهاز قلبا ينبض وعقلا يحتاج الى مساحة للابداع.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في بيئة العمل ليس الخطأ، ولكن فقدان الإحساس بالأخر بأننا نتعامل مع بشر لأن الخطأ يمكننا إصلاحه، وحين يشعر الموظف أنه مرئي و صوته مسموع وهناك من يدعمه، وأن خطأه لا يلغي قيمته، هنا يتحول العمل من عبء إلى مشاركة .
الشركات التي تدرك هذه الحقيقة لا تُضعف أداءها هي تعمّق العلاقة الانسانية لأنها تفهم أن الولاء لا يُشترى بل يُبنى، وأن الإنسان حين يُعامل بكرامة، يمنح من جهده ما يفوق التوقعات لاننا حين نسقط إنسانيتنا يسقط معه البنيان مهما علا.
في النهاية، ليست المؤسسات مجرد أنظمة تشغيل وزيادة في المال ،هي مجتمعات صغيرة وكل مجتمع يبدأ بسؤال بسيط لكنه جوهري:هل نرى من يعمل معنا كأشخاص، أم كأدوات ؟
وكل عام والأم العاملة بألف خير .
للتواصل: [email protected]



