كتاب الرأي

القلم الذي يهتز من الخوف

✍️ ناهد شما – كاتبه أردنية:

هناك أقلام تُولد جريئة، تمضي فوق الورق كأنها لا تخشى شيئًا، وهناك أقلام أخرى ترتجف قبل أن تكتب، تتردد قبل أن تبوح، وتخاف من الحروف أكثر مما تخاف من الصمت. ذلك القلم الذي يهتز من الخوف ليس ضعيفًا كما يظن البعض، بل هو قلم يحمل داخله معارك كثيرة، ويعرف أن للكلمات أثمانًا قد تكون باهظة أحيانًا. فهو لا يكتب من فراغ، بل يكتب وهو يشعر بثقل الحقيقة، ووخز الواقع، ونظرات الناس، وقسوة الأحكام التي قد تنهال على صاحبه لمجرد أنه قال ما يشعر به.

إن القلم الخائف لا يهتز لأن الحروف صعبة، بل لأنه يدرك أن الكلمة قد تبني إنسانًا أو تهدمه، وقد تفتح بابًا من النور أو توقظ عاصفة من الألم. لذلك يقف أحيانًا طويلًا أمام الصفحة البيضاء، كمن يقف على حافة اعتراف كبير، يريد أن يتكلم لكنه يخشى أن يُساء فهمه، أو أن يتحول صدقه إلى تهمة. وكم من إنسان حمل قلمًا وهو يريد أن يصرخ بما في داخله، لكنه اكتفى بكتابة سطور باهتة، لأن الخوف كان أقوى من صوته الحقيقي.

ولعل أكثر ما يجعل القلم يرتجف هو ذلك الشعور بأن العالم لا يحب الحقيقة كاملة، بل يحب النسخة التي تناسبه منها فقط. فحين يكتب الإنسان عن ألمه يُقال إنه يبالغ، وحين يكتب عن الظلم يُتهم بالتشاؤم، وحين يكتب عن أحلامه يُسخر منه وكأنه يطلب المستحيل. لذلك يصبح القلم أحيانًا كطائر مكسور الجناحين، يريد التحليق لكنه يخشى السقوط. ومع ذلك، يبقى يكتب، لأن الصمت أيضًا مؤلم، وربما أشد قسوة من الخوف نفسه.

إن بعض الأقلام تهتز لأنها مرت بتجارب قاسية جعلتها تخشى البوح، فقد تكون الكلمات قد خذلت أصحابها يومًا، أو أن الصدق جرّ عليهم وجعًا لم ينسوه. لهذا يصبح الحذر جزءًا من الكتابة، ويصبح الكاتب وكأنه يسير فوق أرض مليئة بالأشواك، يختار كل كلمة بعناية، ويخفي خلف السطور أشياء كثيرة لا يجرؤ على قولها كاملة. لكن رغم كل ذلك، فإن جمال هذا القلم يكمن في صدقه، لأن الحروف التي تخرج من قلب مرتجف تكون غالبًا أكثر دفئًا وعمقًا من الحروف التي تُكتب بلا إحساس.

والحقيقة أن الخوف لا يعني دائمًا الجبن، ففي كثير من الأحيان يكون دليلًا على إنسانية الكاتب، وعلى أنه ما زال يشعر بثقل الكلمة وقداستها. فالقلم الذي لا يخاف أبدًا قد يتحول إلى سلاح جارح، أما القلم الذي يرتجف أحيانًا فإنه يتذكر أن وراء كل حرف روحًا وقلبًا وإنسانًا قد يتأثر بما يُكتب. ولهذا تبقى الأقلام الخائفة أقرب إلى الصدق، لأنها لا تكتب للتفاخر، بل تكتب وهي تحمل شيئًا من الألم، وشيئًا من التردد، وكثيرًا من الشعور.

وفي النهاية، ربما لا يحتاج القلم المرتجف إلى أن يتخلص من خوفه بالكامل، بل يحتاج فقط إلى بعض الشجاعة كي لا يسمح للخوف بأن يخنق صوته. فالعالم لم يتغير يومًا بالصمت، ولم تولد الكلمات العظيمة من قلوب باردة، بل خرجت من أرواح كانت ترتجف ثم قررت رغم ذلك أن تكتب .

للتواصل: [email protected]

 

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى