من محبرة الفيصل إلى محراب الضاد: قصة المقال وتطويع لغة البيان

✍️ حسن المقصودي — كاتب سعودي:
لا شيء يوازي متعة الكتابة إلا ذلك الأثر الذي تتركه الكلمة الصادقة حين تلامس قلوب الناس وعقولهم ببيان عذب ومحبب. ومن هذا المنطلق، كثيراً ما تدور النقاشات في الأوساط الثقافية حول سر التكوين اللغوي وتطويع المفردات؛ وهو ما تجسد في تساؤل أخوي عابر وطيب طرحه أخي الحبيب إبراهيم عبد الله الحفظي باحثاً عن الينابيع الأولى خلف هذا التدفق في نصوصي. واليوم، إجابةً على هذا التساؤل الكريم وتوثيقاً للمرحلة، نفتح للقراء نافذة العودة إلى الجذور، وتحديداً إلى زمن العاصفة والتحول البنيوي في صياغة الوعي.
ففي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر مباشرةً، وفي خطوة ريادية لمواجهة تحديات تلك المرحلة الحرجة، أقرّ أمير الفكر والتنمية، صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل ملتقىً قيادياً دورياً يجمع قيادات تعليم منطقة عسير إبان إمرته السابقة للمنطقة. ومن على مسرح الإمارة، انهمرت كلمات سموه وتوجيهاته لتصنع منارة فكرية حية، تلقفتها أجهزة التسجيل في إدارة الاتصال المؤسسي بالإدارة العامة لتعليم عسير.
وفي تلك اللحظة المفصلية، انبثقت الفكرة من عمق رؤيتي الشخصية، وتقدمت بمقترح خالص ومبتكر، يهدف إلى ألا تظل هذه الكلمات السامقة حبيسة الأثير أو رفوف التسجيل، بل أن تُمنح الخلود والانتشار من خلال تفريغها، ومراجعتها، وطباعتها في كتيب مصمم ومخرج بأبهى حلة فنية، ليعم أثرها القيادي والتربوي الفعلي.
وأمام تلك الفكرة، حظي المقترح بقبول سمو الأمير خالد الفيصل -حفظه الله- فصدرت التوجيهات بتكليفي بهذا العمل، لتنطلق من هنا الرحلة الحقيقية والإجابة المباشرة على تساؤل أخي إبراهيم الذي طوّق عنقي بثنائه العاطر. لم يكن العمل مجرد رصد عابر، بل كان انغماساً كلياً وشغفاً ممتداً في أعماق تلك الكلمات على مدار ست سنوات كاملة استمرت منذ ذلك التوقيت، وبذلت فيها قصارى الجهد المستمر والبحث الدؤوب.
إن هذا العمل المضني كشف لي عن القيمة الجوهرية والأهمية البالغة للمراجعة الدقيقة والتدقيق اللغوي والنحوي؛ فالنص الأدبي لا يبلغ كماله بمجرد تدفق الفكرة، بل بتهذيبها وصقلها. إن التدقيق اللغوي هو الحارس الأمين لسلامة المعنى، والميزان الدقيق الذي يحمي النص من اللحن والركاكة، والواسطة التي ترتقي بالصياغة من رتبة العفوية إلى رتبة الإحكام والبيان. فكل همزة قُطعت بمكانها، وكل حركة نحوية ضُبطت في موقعها، كانت تمنح الكلمة قوة إضافية لتبلغ غايتها وتحدث أثرها المستهدف في نفس المتلقي.
شكلت تلك السنوات الست مختبراً تأهيلياً مكثفاً ومحطة تكوين حقيقية، صُقلت فيها أدواتي اللغوية عبر بوابتي التدقيق والمراجعة، وعمّقت مبدأ الانتقائية الدقيقة، والتغذية البصرية والفنية، عبر البحث في بطون المصادر والعلوم اللغوية، وهي التجربة التي أمدت قلمي بهذا الرونق المحبب والمقرب لقلوب القراء. وحين عُرض النتاج الأول على أنظار سموه، تجلت ثقة القائد الملهم، إذ نظر -حفظه الله- بعين الحكيم والمنصف، ووجه بعدم الرجوع إليه مجدداً في المراجعات، مانحاً إياي صك ثقة مطلق بنى فكري وقدراتي الكتابية على أصلب ركائز لغة القرآن الكريم.لقد توّج سموه تلك التجربة بعبارة تاريخية استقرت في الوجدان وغذّت مسيرة القلم، حين قال لي: (من عشق لغة القرآن، أسر قلب كل إنسان). ومن ذلك المحراب، ومن محبرة الفيصل، وتلك السنوات الست من العشق والتدبر في لغة الضاد إلى يومنا هذا، تولدت الإجابة للحبيب الأستاذ إبراهيم ومن معه من القامات الذين أعتز بتقديرهم، وعليه ولدت هذه المخرجات الموفقة في صياغة المقالات وتطويع لغة البيان التي تجد طريقها بملامسة صادقة إلى قلوب الناس.
للتواصل: [email protected]



