إشكالية خطبة الجمعة.. صمت واجب.. وفهم غائب!!

✍️أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي كَاتِبٌ صَحَفِيٌّ، وَمُذِيعٌ تَلْفَزِيُونِي :
غير خافٍ ما للمساجد من مكانة أساسية، ودور عظيم في الإسلام؛ فهي أشرف بقاع الأرض، يؤدي بها المسلمون أهم أركان الإسلام وثانيها، وهي الصلاة. يجتمعون فيها خمس مرات في اليوم والليلة، ليؤدوا صلاتهم جماعة كما أمرهم الله ورسوله، يناجون ربهم ويخلون معه، ويصغون إلى ما يُقام فيها من دروس ومواعظ تذكّرهم بربهم، وتحثّهم على الأخلاق الفاضلة والتمثّل بها، فتنهل من معينها نفوسهم ما ينفعهم في دينهم ويفقّههم في علوم الشريعة.
ويقصدها المسلمون يوم الجمعة، أهم مجامع المسلمين، وإحدى شعائر الإسلام الظاهرة. ولأهميتها، يراعون سننها وآدابها، يستشعرون فيها المعاني العظيمة لهذا اليوم الفضيل، ومنها: الاستماع إلى خطبة الجمعة، وتأدية الصلاة، والاستزادة من الأعمال الجليلة والطاعات العظيمة التي بها يكتمل الإيمان ويتم الدين، وتصلح القلوب، وتزكو النفوس.
وإنّ للمسجد رسالة تتجاوز جدرانه؛ فهو منارة هداية ومدرسة تربية،
ويظل دور المنبر وخطيب الجمعة الأقوى فاعلية في نفوس الناس، والأقرب إلى قلوبهم ووجدانهم، والأعظم تأثيرًا في المجتمع. ولابد أن يكون للخطيب حضور عملي بين الناس، وأن يكون قريبًا منهم، يعرف ما يحتاجونه، يعايش هموم مجتمعه، ويطرح قضاياه، وكل المواضيع التي تهمهم في حياتهم. يشخّص الداء ويصف الدواء من هدي الكتاب والسنة.
من هنا ندرك أن خطيب الجمعة صاحب رسالة، وله دور كبير وأثر بالغ في بيئته ومجتمعه، يتداول في خطبته ما يزيد الإيمان، ويهدي لأحسن الأخلاق، ويعالج قضايا العصر بميزان الشرع الحكيم، فلا ينعزل عن واقع الناس.
وهذا يتطلب منه فقه حقيقة الخطبة، بجانب حسن الإجادة وجودة الإفادة، والقدرة على التأثير، مدركًا حكمتها الشرعية، ومقاصدها الدينية. وقبل الصلاة، يصغي المصلون إلى “خطبتين عظيمتين” فيهما التذكير بأصول الإيمان، وقواعد الإسلام، وكليات الشريعة، وبيان آداب الدين العظيمة. وخلالهما لا يجوز الكلام والإمام يخطب، بل يجب الإنصات والاستماع للخطبة، والمستمع كالمصلي فلا يتكلم، ولا يرد السلام، ولا يبدأ بالسلام، ولا يشمّت العاطس، إلا دعاءً يُطلب له التأمين فتُرجى الاستجابة. من هنا جاء التنبيه على وجوب الإنصات والاستماع، حتى لا تُلغى الجمعة، ويفوت المصلي ثوابها بسبب كلامه حال الخطبة، التي تقوم مقام ركعتين من الفريضة. ولكن ما نلاحظه أن البعض يتساهل في الكلام أثناء خطبة الجمعة، خصوصًا بين العامة وبعض المقيمين، ولا يعلمون أن بفعلهم هذا يفوت عليهم أجر الجمعة وثوابها، بل أصبح الأمر عاديًا، يتكلمون والخطيب يخطب، لا يدركون الحكمة من الخطبة، ولا يتذكرون ما سمعوه، يخرجون كأنهم لم يسمعوا شيئًا.
فالمنبر أمانة، والكلمة مسؤولية، والمصلي أتى ليستمع لا ليضيع الأجر بلغط لا طائل منه. وقد حذّر النبي ﷺ فقال: “إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت”.
وهنا يتعاظم دور الخطباء، فيما يتعلق بوعظهم وتذكيرهم، وتنبيههم على ما يقع منهم. فبعضهم ليس عنده علم شرعي، فلو تم تخصيص الخطبة، مرتين في الشهر، عن مواضيع تتعلق بكل ما هو معلوم من الدين بالضرورة، من الأمور التي يجب أن يعلمها كل المسلمين، وبجانب المواضيع التي تسهم بالتوعية وتهذيب السلوكيات، والتعليم والتذكير بقدسية ومكانة المسجد، والاهتمام بالآداب المطلوبة التي يجب التحلي بها في سائر الأوقات عامة، وعند المسجد خاصة، وبذلك نحقق أهم مقاصد خطبة الجمعة العظيمة، ومنها: الدعوة إلى الله، وما يُذكّرهم بربهم، وما يستفيدون منه في حياتهم، وما يُصلح أحوالهم، وما يعرفون به كيف يعبدون ربهم، والدلالة إلى الخير، والتحذير من الشر، والاجتماع وعدم الفرقة، والتعاون على البر والتقوى، والإصلاح، والتربية، وغير ذلك كثير.
فلو خُطط لمسار دعوي سنوي للخطب، تُعالج فيه أمراض المجتمع قضية قضية، لتحول المنبر إلى مركز إصلاح حقيقي لا مجرد موعظة أسبوعية.
فمثل هذه الخطب، ستؤثر في السلوك، ويكون لها الأثر البليغ في إكسابهم العلم النافع، وحثّهم على العمل الصالح، وبالنظر للمعنى الذي من أجله شرع الله الخطبة، وهو تفهيم الناس ما شرعه الله، وبأسلوب الخطيب الهادف والبنّاء، يكون التأثير فيهم، وتؤتي الخطبة ثمارها. ولتوسيع دائرة الاستفادة، وتكون أكثر فعالية، نحو التغيير المنشود، الحل الأمثل: لماذا لا تُترجم خطبة الجمعة – في مساجدنا – خصوصًا إذا كان المخاطبون بينهم غير ناطقين باللغة العربية؟ تكون الترجمة بلغة الأغلبية من المتواجدين، قبل نهاية الخطبة الثانية، سواء قام بها الخطيب نفسه، أو استعان بمترجم. فإنّ ترجمة معاني الخطبة إلى اللغات الحية اليوم ضرورة دعوية، لا ترف فكري، وقد أجازها كثير من العلماء المعاصرين لتحقيق المقصد الأسمى.
فأرى أن الحاجة للترجمة الآن ماسة، ليفهم المراد من الخطبة، والاستفادة منها، والأخذ بما جاء فيها، وهو عمل فيه نفع عظيم، وتتحقق به مقاصد خطبة الجمعة.
ختامًا: إنّ عودة المسجد إلى دوره الريادي مرهونة بوعي الخطيب برسالة المنبر، ووعي المصلّي بقدسية المكان، فإذا تكامل الدوران، صلح الفرد واستقام المجتمع .
للتواصل :[email protected]



