ممسوسة..

✍️ مزريه علي هروبي – كاتبة سعودية :
كانا في الحجرة يتناقشان بشأن ابنتهما..
قالت الأم.. الكل يشتكي منها!!؟
قال: تقصدين ابنتنا العزيزة!؟
قالت: بصوت بائس حزين.
نعم وهل يوجد غيرها.. معلمتها تصفها بغريبة اطوار.. وقالت لي.. طلبت منهن رسم احلامهن المستقبلية.. وابنتك رسمت صورة لجدار. . سألتها المعلمة: أين حلمك قالت خلف ذلك الحائط!
استغربت جدا من ردها. فأخبرتك به لعل ابنتك تعاني من شيء لا نعرفه.
انا خائفة عليها جدا يا أبا محمد..
واثناء حوارهما..
وفي الطرف الأخر من الغرفة كان الباب مواربا. وهناك من يسترق السمع خلسه.. سمعا سقوط شيء بجوار الباب وخطوات مسرعة في الممر..
اتجه الأب ناحية الباب فتحه ووجد كأس مكسور والأرضية مبللة بالماء..
التفت ناحية زوجته وقال كان هنا أحد ابناؤك وسمع الذي دار بيننا.
لكن لا تقلقي سيعترف بالأمر غدا وأطلق ضحكته المعهودة ((ها ها ها ها )) صدقيني الأطفال لا يجيدون الكذب.. قالت الأم الله يستر.. ونادت على الخادمة لأخذ بقايا الكأس المكسور..
وعادا لحجرتهما.. غادرت الخادمة الممر بعد تنظيفه. وفي طريقها أقفلت كل الأنوار وابقت على القليل من المصابيح الخافتة في الممر.
وعلى امتداد الممر.. الذي تكسو جدرانه أوراق الحائط المائلة للزرقة..
والسجادة المزروعة على ارضيته.. وتلك الإنارة الخافتة هناك في أخر الممر وتحت عقب الباب يوجد ضوء.
صادر من الغرفة.. وهناك من يلوذ بالباب.. أنها قمر. تبكي متأثرة مما سمعت.. تلفها الحيرة والوحدة..
وبينما هي مسترسلة بتساؤلاتها وغارقة في احزانها.. سمعت صوت غريب في حجرتها.. ارتعدت فرائسها..
اقتربت ناحية الصوت الذي يصدر بالقرب من مكتبتها الصغيرة. ووجدت أحد الكتب يهتز في الرف اقتربت منه وبكل شجاعة امسكته فزادت حركته بيدها صرخت ورمته ارضا.. فتح الكتاب.. وإذا بنور ينبعث منه.. شدها المنظر والفضول للاقتراب منه شيئا فشيئا.. حاولت لمس ذلك الضوء الصادر من الكتاب المفتوح لكن بمجرد لمسها للنور تغير المكان الذي تسكنه تغيرت ملابسها تغيرت حتى نفسيتها.. وجدت نفسها تسير في بستان من الورود.. لانهاية له.
وعلى جنبات الطريق وجدت حشد كبير من الكائنات الغريبة من بياض.. لا ترى لهم وجوه. ولا ملامح. لكن ألوانهم والأشعة التي تصدرها أجسادهم.. توحي بالنقاء.. كانت ترى أن لكل كائن ضوء مختلف عن الأخر وبحسب شدة وميلان الأشعة للأبيض.. يكون له نصيب من المعجبين المهتمين يلتفون حوله.. كانت تسير بدهشة بينهم.. منهم طوال جدا ومنهم قصار جدا حجمهم كحبات الرمل..
استوقفها الكثير، ولكن أحدهم كان مدهشا.. كان يطلق ومضات مختلفة من الضوء.. تسمرت امامه وهي تنظر لمن حوله كيف هم سعداء بما يطلقه.. كانت لغتهم فقط اشعة من الضوء.. مع الوقت استساغت ما يقول.. واخذت تقلده واكتشفت سعادة بلون مختلف.. وجمال لم تشعر به قط في حياتها الرتيبة المملة التي لا تخلو من املاءات البشر العقيمة وتجاهل حتى الإصغاء لها لفهم وما تريد.. وجدت في هذا العالم ما تريده.. من نقاء..
مع الوقت تعلمت نفس لغتهم.. وبدأت حتى هي تطلق أضواءها لمن حولها.. لكن مع الوقت من علمها تلك اللغة الجميلة وزرع فيها ذلك الإحساس الجميل بالحرية. وكان له الفضل الكبير بما تتمتع به من نجاح وروح حرة.. غادر بستان الورود..
فكانت هنا نهايته وبدايتها.. مع رحلة البحث عنه سألتهم. فقالوا لها من يعرفونه.. أنه ظهر لكل منا مرة واحدة.. كما ظهر لك.. وقالوا لها لو تريدين رؤيته.. أو حتى الإحساس بوجوده.. اقرئي كتابا.. ابحثي عنه في روحك في منهل العلم من الكتب من مثل وقيم وحرية.. سيكون هنا بانتظارك.. لكن لن تستطيعي الوصول إليه.. صرخت: في دهشه ولماذا؟
لأنه كلما قام بمساعدة أحدنا.. يختفي ويبني جدارا.. يفصله عنهم.. قالت قمر في حزن: من هذا الكلام افهم انه انه.. نعم أنه اختفى من حياتك ليظهر لأخر محتاج إليه. وبعد إنجاز مهمته.. يبتعد وكأنه لم يكن.. قالت وكيف أسدد له دينه الذي في عنقي.. ضحك الجميع وقالوا بصوت واحد أي دين.. هذا.. الذي تتحدثين عنه.
استغربت سخريتهم منها واخذتها الحيرة. وأقترب منها كائن لا تكاد تراه قال.. سأخبرك بالطريقة المثلى لهدم ذلك الجدار الذي يحد بينك وبينه..
جلست تبحث عن مكان الصوت ووجدته محلقا أمام عينيها ويبتسم.. أنا هنا سأخبرك بالسر.. فقط عليك بالقراءة وستجدينه حولك.. في كل كتاب وكل قصة وكل رواية تنتهين منها.. فقط لا تتوقفي عن التقدم.. في القراءة.. لأن في توقفك..
لن تخسري أمل اللقاء به بل.. سيموت ويتلاشى. للأبد.
وكانت كل ليلة تقرأ ولا تمل على أمل هدم ذلك الحاجز الذي يفصلها عن حلمها بالنجاح..
وبينما هي مسترسلة بالقراءة دخلت أمها الحجرة وفتحت ستائرها لدخول ضوء الشمس.. لم تجدها في سريرها بحثت عنها وجدتها مستلقية على الأرض تحتضن كتاب.. بجوار مكتبتها.. في نوم عميق.. اقتربت منها امسكت يدها استيقظت قمر من سباتها نظرت لعيني أمها وألقت بنفسها بين أحضانها وهي تبكي.. قالت الأم متفهمه موقفها لا بأس عليك . أعلم عزيزتي أنك سمعت كلامنا أنا ووالدك ليلة البارحة.. والآن فهمت مالذي تقصدي من رسمك لذلك الحائط.. ولاداعي أن نتناقش في الأمر.. المهم سأخبرك أن والدك.. قبل قليل غادرنا حتى يجلب لك طلبية الكتب القيمة التي طلبت منا شراءها لك.. أستمري في نجاحك.. وكوني كما عهدتك قمرا يضيء حياتنا. ونظرت إليها وارتسمت على محياها ابتسامة رضى وهي تقول وغريبة أطوار ممسوسة بالنجاح.
للتواصل : [email protected]



