بين كف الرعوية ومعصم التنمية.. القطاع الثالث السعودي يخط ملامح المستقبل

✍️ حسن المقصودي-كاتب سعودي:
بين ماض عريق جبل على نخوة الفزعة وأدب التكافل، وبين حاضر طموح يرسم ملامح السيادة التنموية، يقف القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية اليوم على عتبة تحول فلسفي باذخ، تحول لا يكتفي بترميم الحاجة بل ينشد صناعة الاستغناء.
إنها قصة عبور من الفلسفة الرعوية التي كانت تحتضن المحتاج بمودة، إلى الفلسفة التنموية التي تمكنه بذكاء، ليكون القطاع الثالث هو الضلع الذي استقام به جسد الاقتصاد الوطني.
لطالما كان العمل الخيري في الوجدان السعودي هو النبض الذي لا يهدأ، حيث قامت الجمعيات لزمن طويل بدور الوسيط المبارك، تمد جسور العطاء بين المحسن والفقير.
غير أن هذا الواقع، برغم نبل مقاصده، ظل حينا من الدهر أسير الاستجابة اللحظية والارتهان للهبات، مما جعل الاستدامة حلما مؤجلا، والأثر الاجتماعي منحصرا في حدود المساعدات المباشرة.
واليوم، نشهد ميلادا جديدا يتجاوز تلك الأنماط التقليدية، فقد استحالت الجمعيات الأهلية التي ناهزت الآلاف خلايا عمل مؤسسي متقدة، تخضع لأعلى معايير الانضباط والنزاهة والشفافية تحت إشراف المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي.
ولم يعد المتطوع مجرد صاحب أجر، بل غدا شريك بناء في منظومة وطنية كبرى، ترمي للوصول إلى مليون متطوع، يحولون العاطفة الصادقة إلى قيمة اقتصادية مضافة ونابضة.
إن المأمول الذي تخطه رؤية السعودية ألفين وثلاثين ليس مجرد أرقام تستهدف، بل هو ثورة في المفاهيم، إذ نصبو إلى قطاع يساهم بنسبة خمسة في المئة في الناتج المحلي الإجمالي، لا عبر استهلاك الموارد، بل عبر ابتكارها. وتقتضي الفلسفة المأمولة أن تتحول الجمعية من محطة توزيع إلى حاضنة استثمار، حيث يستبدل الرعاء بالتمكين المهني، ويستعاض عن التبرع العابر بالأوقاف المستدامة والشراكات الاستراتيجية. والمأمول هو أن نرى مؤسسات مجتمع مدني قادرة على ردم الفجوات التنموية في أقصى القرى، تقدم حلولا تعليمية وصحية وبيئية بمرونة تتفوق على القيود الإدارية، وبنفس زكي يترفع عن جشع الربحية الصرفة.إن الفلسفة التي تعتنقها المملكة اليوم تقوم على أن يد المعطي يجب أن تأخذ بيد الآخذ لترتفعا معا، لا أن تبقى فوقها للأبد.
إنها رحلة الانتقال من تسكين الألم إلى اجتثاث العوز، ومن عمل الخير إلى صناعة الأثر. وفي هذا الميدان الفسيح، يظل القطاع الثالث هو روح الوطن التي تسري في عروق التنمية، والضمانة الحقيقية لمجتمع حيوي طموح ومزدهر.هذه الفلسفة لا تكتمل أركانها إلا حين يدرك الإنسان السعودي أنه المحرك الأول لهذا التغيير، فالمواطنة المسؤولة هي التي تحول العمل الخيري من مجرد عاطفة عابرة إلى سلوك مؤسسي مستدام. إن مستقبلنا مرهون بقدرتنا على استبدال ثقافة الإحسان المؤقت بثقافة التمكين الدائم، ليكون كل فرد منا لبنة في جدار القوة الوطنية، مساهما بفكره ووقته ومهارته في رسم مستقبل لا يترك خلفه أحدا، بل يمضي بالجميع نحو آفاق الاكتفاء والازدهار.
للتواصل:[email protected]



