كتاب الرأي

انكسار الهوية وضياع القيم ..

✍️ عبدالله محمد الزبيدي- كاتب سعودي :

إن أخطر ما يواجه الإنسان المعاصر ليس الفقر المادي فالخطر الحقيقي في الفقر الوجودي.. ذلك الاهتزاز الخفي الذي يصيب القيم ويذيب الشخصية في قوالب جاهزة صُنعت لغيره.
عندما تفقد الهوية بريقها يتحول المجتمع إلى فخار يكسر بعضه بعضاً
فالقيم ليست خياراً شخصياً أو ترفاً ثقافياً بل هي أصل الوجود وثباته الهوية التي لا تستند إلى إرث وتاريخ عميق تشبه الشجرة التي تجتثها الرياح عند أول عاصفة.
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ۝ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾(إبراهيم: 24-25)
الهوية هي «الأصل الثابت»، والقيم هي «الثمار» وبدون هذا الثبات يبقى المجتمع في حالة اجتثاث دائم تتقاذفه تيارات العولمة والموضة دون قرار أو استقرار و تقع في فخ التبعية وذوبان الذات يتحول الإنسان إلى صدى للآخرين يفعل ما يفعلون دون بصيرة وهذا بالضبط ما نسميه اليوم «القطيع الرقمي» أو «التبعية الثقافية».
يقول ﷺ:
«لا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا»(الترمذي)
كلمة «وطِّنوا» هي المفتاح إنها دعوة لتأسيس «وطن داخلي» من المبادئ والقناعات حتى لا تنجرف النفس مع كل ريح ولا تذوب في كل صيحة ، إن جوهر الإنسان أخلاقه وما نشأ عليه من قيم ومباديء
فالإنسان بلا فضيلة هو جسد بلا روح ، وأن التقليد الأعمى والبهرج الخارجي لا يبنيان حضارة.
يقول أبو الفتح البستي:
أَقْبِلْ عَلى النَّفْسِ وَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا … فَأَنْتَ بِالنَّفْسِ لاَ بِالْجِسْمِ إِنْسَانُ
ويقول محمود سامي البارودي:
إِذَا مَا الْفَتَى ضَاعَتْ مَكَارِمُ خُلْقِهِ … فَلَيْسَ لَهُ بَيْنَ الأَنَامِ نَصِيبُ

قد يكون فقدان الهوية عند الشباب ليس خللاً في المعدن بل قصوراً في السبك فعندما يرى الفتى تناقضاً بين ما يُقال وما يُفعل، يهرب إلى النماذج المعلبة التي تمنحه انتماءً زائفاً.
التربية اليوم مطالبة بأن تكون حائط صد لا بالتلقين الميت بل بغرس المناعة الثقافية والوعي العميق ، فكما قيل: «من لم يؤدبه والده أدبه زمانه»، والزمان اليوم مليء بالتناقضات التي تلتهم الضعفاء بلا رحمة.

استعادة الهوية لا تعني الانكفاء على الماضي و البكاء على اللبن المسكوب بل الوقوف على أرض صلبة تمكننا من مخاطبة العالم بثقة وأصالة واعتزاز و فخر بحاضرنا و ماضينا و السعي لمستقبل يشع نورا
فالأمة التي تملك إرثاً حضارياً عظيماً، وقِيماً خالدة، ثم ترضى بالتبعية وفقدان الذات، هي أمة قادرة على التمام، لكنها اختارت – للأسف – النقصان..
وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ شَيْئًا … كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ ( المتنبي )
صراعنا اليوم هو صراع وعي قبل أن يكون صراع قوة..

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى