كتاب الرأي

لحظةُ بكاء

                                           ✍️أماني سعد الزيدان – كاتبة سعودية :

قالت إحدى الصديقات :
خرجتُ من المدرسة مع أبنائي، ومررتُ بقرب منزل طفولتي… بيتي الأول الجميل.
شيءٌ ما شدّني إليه دون إرادة، كأن الذكريات كانت تنتظرني عند البوابة منذ زمن.

دخل أبنائي قبلي يسلّمون على جدتهم، بينما بقيتُ واقفةً عند الباب أتأمل المكان بصمتٍ طويل.
الفناء الخارجي كما هو… الزوايا نفسها… لكن كل شيء كان ناقصًا: الضحكات، الأصوات، ودفء الأيام الأولى.

دخلتُ، فاستقبلتني أمي بصوتها الحنون:
— ما بكِ يا ابنتي؟ تعالي.

اقتربتُ منها وسلمتُ عليها، فحدّقت في وجهي قائلة:
— أأنتِ بخير؟ تبدين شاردة.

ابتسمتُ بحنين صامت، وقلت:
— لا يا أمي… لكن رائحة طعامك أعادتني لسنواتٍ بعيدة.

قالت وهي تتأملني :
— إذًا لن تذهبي حتى تتغدي معنا.

قلتُ باعتذار:
— جئتُ من المدرسة متعبة، وابني في المنزل ينتظرني لأعدّ الطعام.

لكنها أمسكت بيدي بلطفٍ وقالت:
— تعالي أولًا إلى المطبخ… انظري، هذه سلطتكِ الخضراء التي تحبينها، وهذا القدر الذي كنتِ تدورين حوله صغيرتي قبل أن تكبري.

وقفتُ أمام المائدة، وفجأة شعرتُ أن الزمن انكمش، وأنني لستُ امرأةً عادت إلى بيت أمها… بل طفلة عادت من المدرسة تركض نحو الغداء.

تسللت رائحة الطعام إلى قلبي قبل أنفاسي، فقلت وأنا أبتسم بدموعٍ خفية:
— ما ألذه يا أمي… كأن الجوع لم يكن جوع جسد، بل جوع عمرٍ كامل اشتاق إلى بداياته.

قالت أمي:
— انتظري حتى أصلي، ثم نأكل جميعًا.

وفي تلك اللحظة دخل أبي، فنهضتُ إليه سريعًا.
ضمني كما كان يفعل دائمًا، فاهتزّ داخلي كأن سنوات الغياب لم تحدث أصلًا.
كان سلامه كفيلًا بأن يعيد إليّ كل ما ظننته مضى.

جلسنا نتحدث، نضحك، ونتبادل تفاصيل صغيرة…
ونسينا للحظات أن الزمن قد غيّرنا، وأن أعمارنا لم تعد كما كانت.

سكتت الصديقة برهة ، وكأن الحكاية تختنق في صدرها…

— نظرتُ إليها ،وإذا بالدموع تملأ خديها
قلتُ لها بهدوء:
— وماذا أيضًا؟

رفعت رأسها وقالت بصوتٍ مكسور:
— كان حلمًا… حلمًا جميلاً صنعته بنفسي، ورعيتُه حتى كبر في قلبي.
لكن حين اقترب من الواقع، لم يحتمل قسوته… فذبل قبل أن يكتمل، وبقي في داخلي كأثرٍ لحلمٍ أحببته أكثر مما عاش . 

 للتواصل : [email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى