سعادة الآخرين: مرآة لروحي

✍️عائشة السبيعي -كاتبة سعودية
في زحام الحياة، وبينما يسعى الجميع خلف غاياتهم الخاصة، أجد نفسي أتوقف طويلاً أمام مشهدٍ قد يمر به العابرون دون إلتفات ، وأمام نفسي . مشهد اثنين يتقاسمان ضحكة من القلب، أو نجاحاً يتلألأ في عيني صاحبه. في تلك اللحظة، لا أكون مجرد مشاهد، بل أتحول إلى شريكٍ خفي في تلك السعادة؛ أعيش الدور، أتنفس الفرح، وكأن النصر نصري، والبهجة بهجتي.
إن هذه القدرة على الابتسام لنجاح الغير هي في الحقيقة أقصى درجات التصالح مع الذات. فأنا إنسانة ممتنة بالفطرة للجمال الموجود في حياتي، ولأولئك الأشخاص الذين يتركون بصمات سعادة في أيامي. وفي الوقت ذاته، أمتلك ذلك الاكتفاء الذاتي الذي يجعلني أسعد نفسي بنفسي؛ فالمزيج بين الامتنان للغير والقدرة على إسعاد الذات هو في نظري قمة النضج النفسي.
لقد أدركتُ أن الإنسان لا يستطيع أن يحب الخير للآخرين بصدق إلا إذا كان يحب نفسه ويحترم قيمتها أولاً؛ ومن هنا يتجلى عمق قول الرسول ﷺ: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”. فالمحبة تبدأ من الداخل، وحين يمتلئ قلب المرء بالرضا عن نفسه، يفيض هذا الرضا حباً لكل من حوله. أنا لا أشاهد سعادة الآخرين من باب المقارنة، بل لأنني أمتلك وفرة من المشاعر الصادقة تجعلني أحتفل بالجمال أينما وُجد.
إن هذا النقاء يا سادة هو “سلامة الصدر” في أسمى صورها؛ ذاك الشعور الذي لا ينبع إلا من قلبٍ موصولٍ بالله، يفيض إيماناً بأن رزق الله واسع وأن فضله يؤتيه من يشاء. وحين أرى السعادة في عيون الآخرين وتنعكس في روحي، أشعر بطمأنينة ورضا “حين أرى الناس في قمة سعادتهم وترابطهم، لا أنظر إليهم بعين المقارنة، بل بعين الرضا. إن رؤيتي لسعادتهم واجتماعهم لا تفتح باباً للنقص في حياتي، ولا تشعرني أبدًا بشيء أفتقده؛ بل هي طمأنينة لروحي، واحتفاءٌ بوجود هذا الصفاء في قلوب الناس. فأنا أراقب تلك التفاصيل لأؤكد لنفسي وللعالم، أن الجمال والوصل والوفاء.. هم الأصل الذي لا يغيب.”، وأحمد الله أن رزقني قلباً يرى الجمال ويحتفي به، فهذا من عظيم فضله ومنّته عليّ. أنا أحتفي بجمال الحياة، لأن قلبي ينبض بحب الخالق وجمال خلقه، وبالإنسانية التي تجعلني أرى نجاح العالم كله نجاحاً لي، وبرهاناً على أن النور لا يزال يملأ الأفق.
للتواصل: [email protected]




في زمن تطغى فيه لغة الأرقام والمقارنات، يأتي قلمكِ يا أستاذة عائشة ليعيدنا إلى جوهر الإنسان، إلى تلك المساحة الآمنة من سلامة الصدر والامتلاء بالذات.
لقد صغتِ مفهوماً نبيلاً عن السعادة، فهي ليست مجرد شعور فردي، بل هي ‘عدوى جميلة’ نصاب بها حين نتصالح مع أنفسنا أولاً. حديثكِ عن الرضا والاحتفاء بنجاح الآخرين هو دعوة لسموِ النفس، وتذكير بأن قلوبنا تتسع بقدر ما نمنحها من نقاء.
شكراً لكِ على هذا النص الذي يشبه النسمة الباردة في غمرة الشتات، شكراً لأنكِ ذكرتِنا بأن الجمال موجود دائماً، فقط لمن يملك قلباً يبصره.