على سبيل قشة

✍️ مها الشاعر – كاتبه سعودية:
ما بين قشة تقصم وقشة تنجي من الغرق، يخسر الكثير ويربح آخرون.
عندما تقصم قشة ظهر بعير، فمما لا شك فيه بأنها لم تكن القشة الأولى، والأكيد بأنها ليست الثانية أو العاشرة، وقد لا تكون الألف.
ولكنها القشة التي بلغ معها الحمل منتهاه، والصبر أقصاه، والسيل زباه.
وعلى الجانب الآخر، غريق في لجات بحر عاتي ، متلاطم الأمواج، ما بين عنفوان مده وصخب جزره، ولا سبيل للنجاة سوى قشة ظهرت له على حين طفو، على سطح هذا المحيط المرعب .
من يصدق بأن هناك من يكون لديه إعتقاد ولو بنسبة واحد بالمئة بأن تلك القشة قد تكون وسيلة للنجاة ؟!..
وحده ذلك الغريق الذي عرف تماماً معنى الغرق في ذلك الموج العاتي، سيصدق بأنه لا يزال هناك بصيص أمل وإن كانت مجرد قشة .. تخيل ؟!
ما بين كناية الجمل والبحر مقابل القشة، يمكن لنا أن نتخيل كيف يمكن لكلمة عابرة، خطوة صغيرة، خطأ زهيد، محاولة أخيرة .. أن تغير معادلة كاملة سواءً بالسلب أو الإيجاب.
ما بين كناية الجمل والبحر مقابل القشة أيضاً ، يحيا أمل ، ويبنى حلم، وقد يدفن طموح، ويغلق باب، وتفتح نافذة، وتطفئ شمعة ، ويشعل قنديلاً.
وما بين كناية الجمل والبحر مقابل القشة ، تعمر دور وتهدم أخرى، تزهق أرواح وتفنى إلى العدم، و تحيا أخرى وتسعدُ وتنهض، وقد تبدد خرافات وأساطير وروايات ، وتنمو وتسمو وتزدهر أخرى.
على بصيص قشة .. قد يبدل اليأس يقيناً ، والكدر هناءً وعيشاً رغيداً، والبؤس بأساً وسروراً وعيداً.
و على جناح قشة أيضاً .. قد تبدل الضحكة دمعة ، والفرحة حسرة، والظفر خيبة، والغلبة عجزاً وخسراناً.
ما بين قشة البعير وقشة الغريق، قد ينقصم كثير من الأمل، وينجو ويصمد كثير من اللا متوقع نجاته ولو على سبيل البقاء ..
كل هذا وأكثر .. على سبيل قشة.
لترى أم لتُرى ؟! ..
“ارتفع لترى لا لُترى” .. في هذه العبارة الشهيرة جداً والتي نسبت إلى الخليفة الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، قرأت مرة تحليلاً عميقاً لها ، ويؤسفني جداً بأنه مما تم نسخه ولصقه كثيراً دون تذييل باسم لقائله، وهذا من أعظم الحقوق التي انزعج عندما تسلب من أصحابها دون سابق إذن، ألا وهي حقوق الفكرة والفكر.
يقول في هذا؛ في طريقك للأعلى دائماً تذكر ماهي الغاية ، فهناك فرق كبير بين من يكبر حتى يرى الصورة بشكل أوضح ، وبين من يكبر حتى يراه الآخرون.
فمن يصعد ليراه الآخرون تجده دائماً يعيش في حالة رعب، وفي حالة قلق وهم عظيم من أن يسقط فيراه الآخرون حال سقوطه .
بينما من يصعد ليرى ويتسع معرفة وعلماً، فهو دائم في حالة اتزان وثبات ،و يصعد بخطوات أكثر هدؤًا وثقة ، فهو يعرف تماماً بأن صعوده كان لغاية شخصية، وبالتالي يعرف كيفية البقاء هناك دون آبه لمن ينظر.
وأقول هنا ؛ سواءً كنت ممن صعد ليرى أو ليُرى، فالأهداف مختلفة ، والدوافع والمرجعية الثقافية لها دور بالغ الأثر أيضاً ، وإن كانت الأفضلية من وجهة نظر شخصية هي لمن صعد ليرى لا ليُرى .
أعرِف بأن قيمة البقاء في الأعلى تستمر لمن يعرف كيف يصافح دون أن يسامح في بعض الأحيان ، ولمن ينحني دون أن ينثني إن لزم الأمر ذلك في بعض الأحوال ، ولمن يرتفع دون أن يترفع على من هو دونه في كل حين وحال .
للتواصل :[email protected]



