فن الشك: مهارة ضرورية في عصر الأخبار السريع

✍️ ريم منصور سلطان –كاتبة سعودية :
في عصرنا الرقمي الحديث نحن نعيش تحت شلالات متدفقة من المعلومات التي تنهال علينا من كل حدب وصوب عبر وسائل التواصل الاجتماعي غيرها من القنوات، هذا الانفجار المعلوماتي بقدر ما هو مفيد من ناحية ولكنه من ناحية أخرى خلق بيئة خصبة لنشر الأخبار الكاذبة والمحتوى المضلل المصمم بعناية للتلاعب بالعقول فيختلط الموثوق بالمصنوع بعناية.
و تحت هذا الضجيج لا يعود امتلاك المعلومة ميزة، إنما امتلاك أداة فحصها هو الاساس ، فأصبح من الضروري أن يكون لدى الإنسان وعياً ومهارة نقدية لتمييز الخبيث من الطيب، فالاختيار الصحيح للمعلومات ليس ترفاً، هي ضرورة وعلى اساسه يعتمد فهمنا لواقع العالم من حولنا ،ومنها نستطيع أن نتخذ قرارات سليمة واعية، فلم يعد السؤال: ماذا نعرف؟ ولكن: كيف نعرف أن ما نعرفه صحيح؟
وهناك عدة أدوات منهجية عملية و تقنية لمساعدتك في فحص المعلومات والوصول إلى الحقيقة منها :
أول خطوة في التشكيك الصحي :
إسال نفسك فور رؤية الخبر هل ما أقرءة يثير ردت الفعل؟ اذا كان الجواب نعم، فتوقف ولا تقرر ولا تنقعل وتاكد أنها في الغالب تريد منك هذا الإنفعال فالأخبار المضللة تتغذى على الانفعال لا على التفكير.
ثم تأتي خطوة التالية ألا وهي التحقق من المصادر:
إسال نفسك أيضا من قال هذه المعلومة؟ لا تتوقف عند اسم الجهة فقط ،ولكن تاريخ نشرها، مصداقيتها، فهناك حسابات مجهولة ، و مواقع غير معروفة، أو حتى الأسماء اللامعة التي تتحدث خارج تخصصها كلها إشارات تستدعي الحذر،لا يكفي أن يكون الصوت واثقًا، يجب أن يكون مؤهلًا.
الخطوة الثالثة هي التحقق من المتقاطع:
لا تعتمد على مصدر واحد، بل قارن بين عدة مصادر مستقلة، إذا تكررت المعلومة في أكثر من جهة موثوقة، فهذا يعزّز احتمال صحتها، أما إذا كانت محصورة في مصدر واحد أو تنتشر فقط في منصات غير موثوقة، فهنا يجب التريث.
وبعد ذلك انتبه إلى تاريخ المعلومة:
كثير من الأخبار الصحيحة تُعاد مشاركتها خارج سياقها الزمني، فتتحول إلى تضليل صورة قديمة، تصريح سابق، حدث منتهي يُعاد تدويره ليبدو كأنه يحدث الآن.
ومن الأدوات المهمة أيضًا فحص الصور والفيديوهات.
يمكن البحث العكسي عن الصور لمعرفة مصدرها الحقيقي، أو التأكد مما إذا كانت مقتطعة من سياق مختلف، فالصورة لم تعد دليلًا قاطعًا، ولكنها قد تكون أكثر وسائل التضليل إقناعًا.
هناك كذلك خطوة غالبًا ما تُهمَل ألا وهي كيف نمييز بين الخبر والرأي.
فبعض النصوص تُقدَّم كحقائق لكنها في جوهرها آراء شخصية أو تحليلات، اسأل نفسك : هل هذه معلومة قابلة للتحقق، أم وجهة نظر؟واحذر من الفخ فنحن نميل لتصديق ما يوافق قناعاتنا، ونرفض ما يعارضها، وهذا أخطر أنواع الانحياز، لأنه صامت، فاسأل نفسك بصدق: هل أصدق هذه المعلومة لأنها صحيحة أم لأنها مريحة لي؟
وأخيرًا، تذكّر أن عدم المعرفة أفضل من المعرفة الخاطئة، فليس من الضروري أن يكون لديك رأي في كل شيء، ولا أن تشارك كل ما يصل إليك. أحيانًا، الحكمة ليست في أن تتكلم، ففي عالمٍ تغمره المعلومات، لا يصبح الأكثر اطلاعًا هو الأذكى، ولكن من هو الشخص الأكثر قدرة على التمييز، التحقق ليس رفاهية فكرية، إنما اصبحت مهارة بقاء معرفي وحجر الزاوية وفي ظل هذا الزخم يجب علينا التوقف قليلا والتفكير قبل المشاركة في ردات الفعل والتفاعل في المنصات لاننا يحب علينا حماية أنفسنا ومجتمعاتنا من طوفان التظليل .
للتواصل: [email protected]



