كتاب الرأي

التعليم بلا عمر مطلب لبوابة مجتمع تنموي راقي نحو اقتصاد المعرفة

✍️ أ. د محمد شايع الشايع – كاتب سعودي: 

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتتبدّل فيه مهارات المستقبل بوتيرة غير مسبوقة لم يعد التعليم ترفًا مرحليًا يُحصر في سنواتٍ محددة من العمر بل أصبح حقًا ممتدًا ومسارًا مفتوحًا يلازم الإنسان في مختلف ظروفه. إن إتاحة التعليم العام والجامعي دون قيود عمرية صارمة ومع مرونة في التوقيت والأنظمة تمثّل خطوة استراتيجية نحو بناء مجتمعٍ قادر على التكيّف وصناعة مستقبله بثقة.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الشعوب المتعلمة لا تكتفي بتحسين جودة حياتها فحسب بل تزرع جذور الحضارة وتبني اقتصادًا متينًا وتخطّ لنفسها تاريخًا مجيدًا قائمًا على المعرفة والابتكار. ومن هذا المنطلق فإن توسيع فرص التعليم لتشمل جميع الفئات العمرية وفي مختلف الظروف المهنية والاجتماعية لم يعد خيارًا ثانويًا بل ضرورة وطنية تمليها المعطيات الاقتصادية والمكونات العلمية المتاحة في المناطق.

وتبرز تجربة جائحة كورونا كأحد أهم المنعطفات التي دعمت مفهوم التعليم المرن إذ أسهمت في ترسيخ التعليم عن بُعد وفتحت المجال أمام المؤسسات التعليمية لتطوير نماذجها كما شجّعت الجهات المانحة والجامعات الطرفية على بناء شراكات نوعية ضمن هياكلها التعليمية مع الجامعات العريقة في تاريخها الوطني. ولم يقف الأثر عند ذلك بل امتد ليشمل تحفيز أنماط تعليمية مرنة كالتعليم المسائي وبرامج نهاية الأسبوع بما يعزّز من جودة التعلم ويحرّك عجلة الاقتصاد ويوفّر مصادر دخل إضافية للجامعات ويمنح المتعلم فرصًا أوسع للتوفيق بين العمل والدراسة.

إن تمكين الشباب والشابات من العودة إلى مقاعد الدراسة أو استكمال مساراتهم التعليمية دون اشتراطات معقدة يفتح آفاقًا واسعة لتطوير القدرات الفردية ويعزّز من مهارات التحليل والتخطيط ويرفع من كفاءة القوى العاملة. كما أن إزالة القيود المرتبطة بموافقات جهات العمل يرسّخ الثقة في المؤسسات التعليمية ويؤكد استقلاليتها ومهنيتها ويجعل من التعليم قرارًا شخصيًا واعيًا يسهم في بناء الإنسان قبل أي اعتبار آخر.

ولا يخفى أن الأثر لا يتوقف عند حدود الفرد بل يمتد ليشمل المجتمع بأسره فكل فردٍ متعلم هو لبنة في صرح التنمية يسهم في تحسين الممكنات الاقتصادية ويرتقي بالعلاقات الاجتماعية ويعزّز من ثقافة الحوار والانفتاح. إن المعرفة ليست مجرد شهادة بل هي قوة ناعمة تعيد تشكيل الوعي وتمنح المجتمع القدرة على مواجهة التحديات بمرونة وابتكار.

إن إعادة النظر في أنظمة التعليم وتوقيته وفتح المجال أمام التعلم المستمر دون قيود عمرية هو استثمار طويل الأمد في الإنسان وهو الرهان الحقيقي لبناء اقتصاد قائم على المعرفة ومجتمعٍ متماسكٍ قادر على النهوض. فحين يُتاح التعليم للجميع في كل وقت وتحت مختلف الظروف فإننا لا نمنح الأفراد فرصة فحسب بل نمنح الوطن مستقبلًا أكثر إشراقًا واتساعًا

للتواصل: [email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى