كتاب الرأي

كيف يظهر الفساد في البحر 

✍️ ناهد شما – كاتبه أردنية:

قال الله تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41].

يرى الإنسان الفساد في البرّ واضحًا في صور الظلم والانحراف، لكن الآية الكريمة توسّع الدائرة لتشمل البحر أيضًا، وهو ما يدعو للتأمل في معنى هذا الفساد. فليس المقصود به بالضرورة ما يتبادر إلى الذهن من تلوث المياه فحسب، بل هو أعمق من ذلك وأشمل.

فقد بيّن علماء التفسير أن الفساد هو ما ظهر من معاصي الناس وانحرافاتهم، وأن لفظ “البحر” في لغة العرب قد يشمل المدن والقرى الواقعة على المياه، كما يشمل السواحل وما يتصل بها من موارد الحياة. وبذلك يصبح المعنى أوسع من مجرد المكان، ليشمل كل مجالٍ تتجلى فيه آثار أفعال الإنسان.

وتتقارب أقوال العلماء في تفسير الفساد، فهو الشرك والظلم، وهو نقص البركة، وهو القحط واضطراب الأرزاق، وهو كذلك اختلال التوازن في موارد الحياة. ويظهر فساد البحر في تعطّل منافعه، وقلة خيراته، واضطراب أحواله، تمامًا كما يظهر الفساد في البر في قلة الإنتاج وظهور الآفات.

وفي واقعنا المعاصر، تبدو هذه المعاني أكثر وضوحًا، إذ أسهم تدخل الإنسان غير المنضبط في الإخلال بنظام الكون، من استنزاف الموارد، إلى تلويث البيئة، إلى الإضرار بالتوازن الطبيعي الذي تقوم عليه الحياة. وكأن الآية الكريمة تشير إلى سنةٍ ثابتة: أن ما يزرعه الإنسان بيده، يحصده أثرًا في حياته وبيئته.

ومن هنا تأتي الحكمة البليغة في ختام الآية، فليست هذه النتائج إلا تنبيهًا ورحمة، لعل الإنسان يراجع نفسه ويعود، فالإصلاح ممكن، والرجوع باب مفتوح.

إن الفساد في البحر كما في البر ليس حادثًا منفصلًا، بل هو مرآة تعكس حال الإنسان، فإذا صلح داخله، صلح ما حوله، وإذا اختلّ ميزانه، اختلّ معه كل شيء.

نصيحة: لعل أجمل ما نخرج به من هذه الآية أن نبدأ بأنفسنا؛ فإصلاح العالم لا يبدأ من قرارات كبرى فقط، بل من ضميرٍ حيّ، وسلوكٍ مستقيم، واحترامٍ لنظام الله في كل ما نلمس ونستهلك ونفعل. فحين يستقيم الإنسان، يستقيم أثره، ويعود التوازن إلى الحياة من جديد.

للتواصل:[email protected]

 

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى