تساؤلات وسر فحم الوالد: من ذاكرة الطفولة إلى حقائق العلم والقرآن

✍️عائشة السبيعي -كاتبة سعودية:
منذ أن كنت طفلة، كانت تجذبني تفاصيل والدي في البيت، ومن أبرزها حرصه الدائم على وضع قطعة من “الفحم” داخل الثلاجة. لم أكن أدرك السر حينها، لكن استدعتني هذه الذكرى بقوة اليوم؛ فبالرغم من حرصي ، ودقتي الشديدة في تنظيف الثلاجة، إلا أنني كنت أشعر دائماً بوجود رائحة متبقية لا تزول بالمنظفات. هنا، استلهمتني ذاكرتي للرجوع إلى الوراء، وتذكرت “الذهب الأسود” (قطعة الفحم )الذي كان يضعه أبي بالثلاجة ، وبعد البحث والتمحيص في قدرته الفائقة على احتواء الروائح وتجفيف الرطوبة، قررتُ من باب التجربة أن أضع قطعة فحم في ثلاجتي لأرى النتيجة بنفسي
الفحم ليس مادة عادية؛ إنه نتيجة ضغط تحلل كيميائي وبنيوي لبقايا نباتات عاشت قبل ملايين السنين. تسمى هذه العملية بالكربنة (Charring)، حيث يتم تحويل الكتلة الحيوية إلى فحم صلب يتميز ببنية عطرية تعزز استقرارها الحراري. هذا الضغط الهائل هو ما يمنحه القدرة على الاحتراق لفترات طويلة، ولكن خلف هذا الضغط يكمن سرٌ عظيم في التنقية يجعله يستحق لقب “الذهب الأسود”..
فعندما نتأمل في مادة الفحم، نجد أن القرآن الكريم لفت الأنظار إلى سر الشجر الأخضر في قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: 80]. هذه المادة الكربونية التي أودعها الله في الشجر، جعل فيها سر التطهير، وكأن الوالد استلهم من فطرة الأرض سر الحماية.
الكيمياء السحرية (الامتزاز والمسامية)
اكتشفت علمياً أن الفحم يعمل كـ “مغناطيس جزيئي” من خلال عملية تسمى الامتزاز حيث تمتص مساماته المجهرية جزيئات الروائح الكريهة وتثبتها فلا تخرج منها أبداً. وللعلم، فإن جراماً واحداً من الفحم يحتوي على مساحة سطح داخلية تعادل مساحة ملاعب تنس كاملة، مما يجعله أقوى مستودعآ طبيعيآ للروائح والرطوبة الزائدة.
فكر الوالد العالمي (الجنود والأطباء)
ما كان يفعله الوالد هو نفس الأساس العلمي الذي يعتمد عليه العالم اليوم:
• في الحروب والمصانع: يرتدي الجنود والعمال أقنعة تحتوي على مرشحات فحم لامتصاص الغازات السامة وتنقية الهواء.
• في المستشفيات: يستخدم الأطباء “الفحم المنقى ” لسحب السموم من أجساد المصابين بالتسمم، بناءً على نفس مبدأ الجذب والتثبيت.
ختامآ
والآن، وبعد أن وضعتُ قطعة الفحم في ثلاجتي ورأيتُ النتيجة المذهلة بعيني؛ حيث اختفت الروائح تماماً وبقي الطعم الأصلي للأكل كما هو، أدركتُ قيمة ما كان يفعله والدي. لقد تميز الوالد بهذا الفعل لأن الفحم لديه قدرة طبيعية فريدة على جذب المركبات العضوية وتثبيتها. فبقطعة واحدة بسيطة، كان الوالد يمنع انتقال النكهات؛ فلا يتأثر طعم الفاكهة بروائح الأكل الأخرى، كما كان يسحب الرطوبة مما يمنع تكون العفن داخل الثلاجة.
وختامآ
هذا الفكر الذي طبقه الوالد في المنزل هو نفسه الأساس العلمي الذي يعتمد عليه العالم اليوم في صناعة أرقى فلاتر التنقية وأقنعة الحماية. لقد أثبتت لي التجربة أن والدي كان عالماً في منزله، سبق بفكره وفطرته كبار العلماء.
للتواصل: [email protected]



