كتاب الرأي

لماذا يُقلَّل من قيمة من يستحق؟

✍️سمحه العرباني- كاتبة سعودية :

يحدث كثيرًا أن يُقابل العطاء بالصمت، وأن تمر الجهود الصادقة دون أدنى تقدير، وكأن ما يُبذل من وقت وتعب أمرٌ عابر لا يستحق الالتفات. في زحام العلاقات والعمل، يتكرر مشهد مؤلم: أشخاص يمنحون أفضل ما لديهم، لكنهم يُقابلون بالتقليل أو التجاهل، بينما يُمنح التقدير أحيانًا لمن لا يستحقه بالقدر ذاته. هذا التناقض يثير تساؤلًا جوهريًا: هل المشكلة فيمن يُعطي، أم فيمن لا يرى؟
قلة التقدير لا تكون دائمًا صريحة، بل قد تأتي في صورة تجاهل، أو تهميش، أو حتى كلمات عابرة تُقلل من الجهد المبذول. ومع تكرار هذا السلوك، تتآكل الدافعية، وتفتر الحماسة، ويبدأ الإنسان في إعادة حساباته تجاه ما يقدم ولمن يقدم. فالتقدير ليس رفاهية، بل حاجة إنسانية تعكس الاعتراف بالقيمة، وتُسهم في بناء علاقات صحية ومتوازنة.

في كثير من الأحيان، لا يرتبط التقليل من قيمة الآخرين بضعفهم، بل بنظرة الطرف الآخر نفسه؛ فقد يغلب عليه الاعتياد، أو الغرور، أو عدم إدراك حجم الجهد المبذول خلف الكواليس. وهنا تكمن الخطورة، إذ يتحول ما كان يُعدّ إنجازًا إلى أمر “معتاد”، لا يستحق كلمة شكر أو اعتراف.
كما أن بيئة العمل أو العلاقات الاجتماعية قد تلعب دورًا في تعزيز هذا السلوك، حين يغيب ثقافة الامتنان والتقدير، ويصبح التركيز على الأخطاء أكثر من الإنجازات. ومع الوقت، يشعر صاحب العطاء بأنه غير مرئي، رغم حضوره الكبير وتأثيره الواضح.
إن استمرار التقليل من شأن الآخرين لا يضرّهم فقط، بل ينعكس سلبًا على الجميع؛ فهو يقتل روح المبادرة، ويضعف الانتماء، ويخلق فجوة من الفتور بين الأفراد. وفي المقابل، فإن كلمة تقدير بسيطة قد تغيّر الكثير، وتعيد للإنسان شغفه، وتدفعه للاستمرار بإيجابية أكبر.

في النهاية، لا تُقاس العلاقات بكثرة الكلام بقدر ما تُقاس بصدق التقدير. فالكلمة الطيبة ليست تفصيلًا عابرًا، بل أثرٌ يبقى ويصنع فرقًا في النفوس. إن التقليل من قيمة الآخرين لا يُنقص منهم بقدر ما يكشف خلل النظرة، بينما الاعتراف بالجهد هو ما يحفظ للإنسان قيمته ويمنح للعلاقات توازنها. وبين هذا وذاك، يظل التقدير اختيارًا راقيًا لا يُتقنه إلا من أدرك أن الإنسان أكبر من أن يُختصر، وأثمن من أن يُهمَل.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى