من يحمي المستهلك من إعلانات المشاهير المتناقضة؟

✍️أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي – كَاتِبٌ صَحَفِيٌّ، وَمُذِيعٌ تَلْفَزِيُونِيٌّ :
نراه اليوم يطل علينا بوجهه مصورًا، يقسم بالأيمان المغلظة أن هذا المطعم هو “ألذ ما ذاقه في حياته” وأنه “مستحيل أن يطلب من غيره”. فتصدقه وتتحمس، وتذهب بأهلك وتدفع مالك، ثم تخرج خائبًا نادمًا على كل ريال أنفقته. وما تلبث أن يمر أسبوع واحد حتى تراه بالوجه نفسه والحماس نفسه والقسم نفسه، ولكن على مطعم آخر ينافس سابقه. ثم ثالث ورابع. لقد تحول الأمر إلى مزاد علني مكشوف: من يدفع أكثر ينال أوصاف “الألذ” و”الأفضل” و”رقم واحد”.
إن الإشكال ليس في الإعلان ذاته، فالإعلان نشاط مشروع ورزق حلال لا خلاف عليه. الإشكال كل الإشكال في الكذب الصراح والتدليس على الناس. كيف يكون كل منتج يروج له هو “الأفضل على الإطلاق”؟ وكيف تكون ثلاثة أنواع من الشامبو هي جميعًا “الوحيدة التي يستخدمها ولا يستغني عنها”؟ إن المستهلك اليوم ليس ساذجًا. لقد بات الناس يفهمون قواعد اللعبة جيدًا. همّ المشهور هو المبلغ الذي يتقاضاه مقابل الدقائق المعدودة، فإذا انتهى التصوير ألقى بالمنتج جانبًا ولا يبالي. أما نحن فندفع الثمن من جيوبنا وثقتنا. نصدق، ونشتري، ونجرب، ونصدم. مرة واثنتين وثلاثًا، إلى أن تنكسر الثقة التي هي رأس ماله الحقيقي، الذي يبيعه اليوم بالتجزئة.
فمن الضحية؟ هو الأب الذي أنفق راتبه على هاتف مدحه مشهور فإذا هو رديء الصنع سريع العطب. وهو الأم التي وثقت بتوصية وطلبت لأطفالها طعامًا من مطعم فانتهى بهم المطاف في طوارئ المستشفى. وهي الفتاة التي أحرقت وجهها بكريم قال عنه “سحر”. ذنب هؤلاء جميعًا أنهم وثقوا. وثقوا بمن يدخل بيوتهم كل يوم عبر هواتفهم، وعبر وسائل التواصل التي تمطرنا بالإعلانات صباح مساء، فكانت تلك الثقة هي الشَّرَك الذي وقعوا فيه.
والسكوت على هذا العبث لم يعد ممكنًا ولا مقبولًا. لقد بلغ السيل الزبى، ولا بد من ضوابط صارمة تحمي الناس وتعيد للسوق انضباطه. أولًا: الإفصاح الإجباري الواضح في مستهل كل مادة إعلانية بأنها “إعلان مدفوع”، بصوت مسموع وخط جلي لا يقبل التأويل. ثانيًا: منع استخدام صيغ التفضيل المطلقة كـ”الأفضل” و”رقم واحد” و”لا مثيل له” دون برهان علمي موثق من جهة محايدة، والاكتفاء بعبارات الرأي الشخصي مثل “أعجبني” و”أستخدمه”. ثالثًا: حظر الإعلان عن منتجين متنافسين مباشرين في الفئة نفسها خلال مدة زمنية معقولة، احترامًا لعقول الناس وذائقتهم. رابعًا: تحميل المشهور جزءًا من المسؤولية القانونية والأدبية إذا ثبت ترويجه لمنتج ضار وهو يعلم، أو كان بوسعه أن يعلم لو تحرى الدقة. خامسًا: استحداث منصة رسمية تابعة لجهة مختصة يتاح فيها للجمهور تقييم مصداقية إعلانات المشاهير، ومحاسبة من تكثر التقييمات السلبية على إعلاناته.
لقد عمت الفوضى هذا السوق، وبات كل من هب ودب يهيم في كل واد بلا ضابط. اليوم يمدح قهوة ويقسم أنها “سر نشاطه”، وغدًا يمدح شايًا منافسًا ويقول “مستحيل أبدأ يومي بدونه”، وبعده عصيرًا ويصفه بـ”إكسير الصحة”. لقد سئم الناس هذا التناقض. والثقة إذا ذهبت لا تعود. ومن يذبح مصداقيته بيده طمعًا في مكسب سريع، فلا يلومن إلا نفسه حين ينفض عنه المتابعون. ضعوا لهم ضوابط اليوم قبل أن يفسد السوق كله ونصبح جميعًا ضحايا لمديح مؤجر يدفع ثمنه المستهلك من ماله وصحته.
وأنت، كم مرة وقعت في هذا الشرك واشتريت منتجًا بناء على توصية مشهور ثم ندمت؟
للتواصل : [email protected]



