كتاب الرأي

الأب.. القوة الصامتة في حياتنا

✍️ طاهرة الشامسي –كاتبة عمانية :

ليست كلّ الانحناءات ضعفًا، فبعضها قمّة القوة، وبعض الظهور التي انحنت حملت فوقها عالَمًا كاملًا من المسؤوليات حتى استقامت به حياة الآخرين. هناك رجال –وربما لا يُذكرون كثيرًا– لم ينحنِ ظهرهم إلا ليقيموا أعمدة بيوتٍ كاملة، ولم تتعب أكتافهم إلا لتخفّف عن غيرهم أثقال الحياة.

انحناءة ظهره لم تكن من وهنٍ أو عجز، بل من كثرة ما حمل، حمل همّ الأسرة، وثقل المسؤولية، وتفاصيل الحياة التي لا يراها أحد. كان يسير في الحياة كمن يمشي تحت شمسٍ حارقة، لكنه يظلّل غيره بظلّه، ويمنحهم راحةً لم يذقها، وطمأنينةً ربما حُرم منها.

كبرتُ وأنا أراه ينحني شيئًا فشيئًا، ولم أفهم حينها أن تلك الانحناءة كانت تعني أن حياتنا تستقيم أكثر. كان كلّ تعبٍ يصيبه ينعكس راحةً علينا، وكلّ تأخيرٍ في راحته هو تقديمٌ لرفاهيتنا، وكلّ تنازلٍ يقدّمه هو بناءٌ لمستقبلنا.

لم يكن يشتكي، لأن الشكوى لا تبني بيتًا، ولم يكن يتذمّر، لأن التذمّر لا يطعم جائعًا، ولم يكن يتراجع، لأن التراجع لا يصنع حياة. كان صامتًا في تعبه، عظيمًا في عطائه، ثابتًا في مواقفه، كأنه جبلٌ لا يهتز، حتى وإن كانت في داخله عواصف لا تهدأ.

كم مرّة عاد متعبًا وهو يخفي تعبه بابتسامة؟ وكم مرّة نام وهمّه أكبر من نومه؟ وكم مرّة قدّمنا على نفسه دون أن نشعر؟ تلك التفاصيل الصغيرة التي لم ننتبه لها يومًا، هي التي صنعتنا اليوم، وهي التي جعلت حياتنا تمضي بثبات، بينما كان هو يميل قليلًا ليبقى كلّ شيء مستقيمًا. 

انحناءة ظهره كانت رسالة صامتة تقول: (لا تقلقوا، أنا هنا) وكانت وعدًا غير منطوق بأن الحياة مهما اشتدّت لن تنكسر ما دام واقفًا، حتى لو كان واقفًا بانحناء.

لكن الحقيقة التي نكتشفها متأخرين، أن تلك الانحناءة لم تأتِ من فراغ، وأن الزمن لا يمرّ بلا أثر، وأن الأكتاف التي حملتنا طويلًا تحتاج يومًا لمن يحمل عنها، وأن الظهر الذي انحنى لأجلنا يستحق أن نكون له سندًا، لا عبئًا جديدًا. 

فكم هو موجع أن ندرك ذلك بعد أن يثقل التعب جسده، وبعد أن تصبح خطواته أبطأ، وبعد أن نرى الزمن قد كتب أثره عليه بوضوح. وكم هو جميل في المقابل أن نسبق هذا الإدراك، فنردّ له بعض ما قدّم، ونحاول أن نخفف عنه، وأن نقول له، ولو مرة (لقد فعلت الكثير… والآن دورنا).

إن أعظم صور البرّ ليست في الكلمات، بل في الفعل، في أن نكون امتدادًا لقوته، وعكازًا لتعبه، وراحةً لما تبقى من طريقه. أن نُشعره أن انحناءه لم يكن عبثًا، وأن تعبه لم يذهب سدى، وأن الحياة التي استقامت بنا ستستقيم به أيضًا، ولو قليلًا.

فيا من انحنى ظهرك يومًا لأجلنا،

نعترف اليوم أننا مدينون لك بحياةٍ كاملة، لا بكلماتٍ عابرة. ونعدك أن نحاول ولو متأخرين أن نكون لك كما كنت لنا (سندًا لا يميل، وطمأنينة لا تنكسر).

في النهاية…

 الحقيقة التي لا تقبل الجدل:

أن وراء كل حياة مستقيمة، ظهرًا انحنى بصمت.

للتواصل : [email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى