المعددون المؤسسون والوصاية التنموية

✍️ حسن المقصودي – كاتب سعودي:
لم يعد الصمت ترفعاً بل بات تواطؤاً. نحن اليوم أمام ظاهرة المعددين المؤسسين، تلك الفئة التي لا ترى في الجمعيات غير الربحية والتعاونيات التنموية إلا خلايا لتعزيز النفوذ، أو إقطاعيات خاصة يُسجنَّ في غرف الوجاهة الضيقة، بعيداً عن شمس التحول الوطني الكبرى. إن هؤلاء المعددين الذين يقتنصون رئاسة الكيانات ويتغلغلون داخلها لشرعنة مصالح وأهداف لا يجهلها أحد، يرتكبون جناية بحق الوعي الجمعي؛ فلا غافل اليوم عن تلك الممارسات التي كانت تقتات عليها حواضن ما قبل الرؤية، قبل أن تصطدم بمنظومة النزاهة والأمن الفكري والتصدي الصارم لهؤلاء الأخفياء ومن يقف خلفهم.
جناية الوجاهة على الوعي الجمعي
إن الجمعية التي تُفصل على مقاس ذهنية فرد هي جمعية ميتة إكلينيكياً؛ فالكيان الذي يُعامل كملحق شخصي، ويُمنع من التجدد بدعوى الخصوصية، ويُحرم من الكفاءات بدعوى الولاء، يمثل خيانة صريحة لبوصلة التنمية المستدامة. إن الوطن لا يحتاج إلى أوصياء يعيدون إنتاج الأنماط المتحجرة في قوالب نظامية، بل يحتاج إلى محركات بشرية تؤمن بأن القيادة تداول، وأن النهضة استحقاق جماعي لا عطية من سيد البيت. لقد آن الأوان لثورة حوكمة حداثية تجتث عقلية الاستحواذ من مفاصل العمل التطوعي، وتضع حداً لمن يجمعون الأختام في أدراجهم كالألقاب، محولين التعاونيات إلى أوقاف عائلية مقنعة.
الفكر الإشعاعي وصناعة الفاعلين
إننا نتطلع لولادة جمعيات تنموية تهتم بالفكر وتعمل على بناء المبادرات الفاعلة، جمعيات تصنع فكراً إشعاعياً يضيء المسارات ويتجاوز التحديات بصناعة قادة وفاعلين يملأون جنباتها تدفقاً وعطاءً متقداً لخدمة الدين والوطن. إن حاجتنا ملحة لجمعيات تتبنى المفاهيم الاستراتيجية والخطط التنموية الفعلية القائمة على عزيمة الاستنهاض لا نغمة “الممكن والمستحيل”، والقفز فوق المثبطات الرخوة والانهزامية المعلنة، لننطلق نحو استصلاح وطني جذري يتمثل في رؤيتنا الوطنية الكبرى.
خارطة طريق نحو حوكمة سيادية
وتتجسد خارطة الطريق لهذه النهضة في: ترسيخ الحوكمة السيادية التي تفصل بين الفكرة والفرد، وتفعيل التفاعل المتدفق الذي يفتح أبواب القرار للمبدعين ويقضي على حقبة الكواليس عبر رقمية شفافة، وتبني المشاريع القائمة على نواتج تنموية ملموسة، وصولاً إلى الالتزام بالقيادة التداولية التي تضمن ضخ الدماء الجديدة ومنع تكلس الأفكار. إن حماية هذه الجمعيات على اتساع الوطن هي حماية لروح الرؤية الطموحة التي تسابق الضوء لارتياد آفاق المستقبل؛ فلا يمكن للمؤسسات المدنية أن تظل رهينة لمزاجية فرد أو تطلع لوجاهة.
الجمعية كوطن صغير: حصون لا أوصياء
الجمعية ليست مكافأة لنهاية الخدمة، وليست مكملاً لبروتوكول اجتماعي؛ إنها وطن صغير ينمو في قلب الوطن الكبير، ومن لا يستطيع منحها حرية التجدد وروح الاستدامة فلينسحب بمسؤولية قبل أن يتجاوزه التاريخ. إن الوطن أمانة، والجمعيات حصونه، والحصون لا تُبنى بعقلية الوصاية التنموية.
للتواصل:[email protected]



