ترقية من نوع آخر .. و فاخر

✍️ مها الشاعر – كاتبه سعودية:
{ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ }.. سورة يوسف آية رقم(6)
معظمنا يعرف هذه الآية في مطلع سورة يوسف عندما قص على والده رؤياه، عندها و من واقع خبرة أجابه يعقوب عليه السلام بأن تلك إحدى علامات الإصطفاء التي سبقوك إليها أبويك أي “أجدادك” إبراهيم وإسحاق. والاصطفاء في قانون الإله هو ما يشابه الترقية في قوانين العمل البشرية، ولكن بمعايير أكثر دقة ورفعة، وأسمى غاية ووصاية – ولله المثل الأعلى -.
“قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيل يعقوب لابنه يوسف، لما قصّ عليه رؤياه: يقول: كما أراك ربك الكواكب والشمسَ والقمرَ لك سجودًا ، فكذلك يصطفيك ربك ”
وهذا من معنى يجتبيك أي يختارك ويصطفيك لنفسه .
عندما يريد الله أن يرفعك لمرتبة أعلى مما أنت عليه، حتى وإن كنت في أصلك رفيع قدر ، فيختارك سبحانه ليعزلك أولاً عن كل ذلك ، بطريقته هو لا بطريقتك أنت .
لربما دار في خلد أحدهم كثيراً بأنه ينتمي إلى هناك ، مع جهله في كيفية الوصول ، ولعل ما يذكرنا بهذا من أحاديث زماننا ، عندما تحدثت الأميرة ديانا ظاهرة هذا العصر عن سيرة حياتها حين قالت؛ كنت أعلم منذ الصغر بأنه سيكون لي شأن كبير عندما أكبر.
وحدث ذلك فعلاً ولم تكون نبؤة لها، ولكن من أشهر العبارات التي ترددها الوالده دائماً أطال الله بعمرها ، “المرء طبيب نفسه” أي هو الأكثر معرفة بمن هو وكيف ينبغي أن يكون ، وهذه من العبارات التي قد تؤخذ على أكثر من محمل في نواحي الحياة وليس فقط طبياً.
بعضنا لا يعرف من قصة يوسف عليه السلام سوى أنه كان شديد الجمال، وكان والده شديد التعلق به وكان يميزه عن إخوته .
ومما يدور في عرف الكثير منا بأن هذا التمييز والحب الشديد الذي حمله يعقوب ليوسف كان نابعاً من شدة جمال يوسف عليه السلام.
ولكن لو عدنا إلى القصة عندما قص يوسف رؤياه على والده، فحينما أمره بأن لا يقص هذه الرؤيا على إخوته ، قد علم يعقوب بأن الله أراد بيوسف علواً ورفعة في الأرض ، والأكيد بأن هذه القراءة أتت بناءً على ما يحمل يوسف من مميزات عدة غير الجمال الشديد؛ يعرفها يعقوب ولا نعرفها نحن.
وهذا مما اتضح معنا خلال تسلسل القصة، بداية من صمت يوسف عليه السلام عندما مر به السيَّارة وأخرجوه من الجًُب ولم يوشي بإخوته، فهم لا يعرفون بأنه ابن نبي ولكن يوسف يعرف ذلك ، ودلنا إلى هذا حديث يوسف عليه السلام فيما بعد مع صاحبيه في السجن حين قال {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} .
وأن يصدر فعل كهذا عن غلام صغير سن كما ورد في وصف السيّارة عن يوسف ، فهذه خصلة عظيمة لا تصدر إلا عن كبار النفوس والأعمار ، ممن لديه عبر و تجاريب كبرى في الحياة ، ولا يمكن أن تصدر عن غلام بعمر يوسف، ولكن هنا بدأ يظهر لنا بعض مما يعرفه يعقوب عليه السلام عن يوسف مما لم نعرف في بادئ الأمر.
أما عندما بلغ أشده وراودته امرأة العزيز عن نفسه ، نقرأ عن شاب في عز فتوته وتراوده امرأة ليست من علية القوم فحسب، بل امرأة العزيز “عزيز مصر” وهو من يكون تحت الملك مباشرة وهو الذي يدير خزائن الملك في تلك البقعة الجغرافية كاملة .. { قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}، فكما عزت عليه المعصية ، عز عليه أيضاً أن يغدر بمن أحسن إليه وآواه ، فكلمة “رَبِّي” هنا عائدة إلى غطفير المقصود بها ربّ البيت أو سيده “عزيز مصر في حينها” ، وليست المقصود بها الإله الخالق.
ومن ثم دخل السجن بالرغم من أن القميص شهد ببراءته، بعد أن اتهمته بمراودتها عندما رفض ذلك ، فهي زوجة العزيز وهي أولى بالتصديق من غيرها كما يعتقد في عُرف الكثير .
ثم عادت لتراوده عن نفسه على رؤوس من يرى من نساء قومها أثناء إقامته في السجن، و ويح ذلك .. ويحه !..
وما بين الفتنة و السجن والغدر بمن أحسن إليه وآواه وقام بتربيته، يصمد يوسف عليه السلام ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ ﴾.
ومن ثم نرى في تفسيره لرؤيا صاحبيه وعندما علم بخروجهم وطلب من أحدهم أن يذكره عند ربه أي الحاكم ونسي، ولما ادّكر وعاد إلى يوسف ليفسر رؤيا الملك، وقال الملك في حينها عندما صحت رؤياه { ائتوني به} .
وبالرغم من فضاعة السجن، لم ينسى يوسف ما قد أتهم به زوراً وبهتاناً، وبثبات الجبال الراسية .. {قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} ..
“قال السدي ، قال ابن عباس: لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلمَ الملك بشأنه ، ما زالت في نفس العزيز منه حاجَةٌ ! يقول: هذا الذي راود امرأته.”
ولعل أحد أهم أسباب رفض يوسف الخروج قبل تبرئته، هو بأنه لا يغيب عن حصيف مثله من بيت نبوة أن يعلم بأن السمعة هي رأس مال المرء الأعظم في محياه ومماته ، فرفض لذلك الخروج قبل أن يطهر عرضه مما دنس به .
ولم يتوقف الأمر عند هذا ، بل حتى عندما تمت تبرئته، خرج وعرفهم بنفسه كما لم يعرفوه من قبل وتحدث بكل ثقة ؛ {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} ..!
التقط من الجُّبّ وهو صغير سن لا يعرفون له أصل ولا فصل ، ولكن يوسف عليه السلام كان يعرف من هو .
أُتهم بمراودة امرأة أعلى الرجال منزلة في قومه دون الملك ، و لبث في السجن بضع سنين ، ومع ذلك لم يغير في قدره من نفسه شيئاً ؛ { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } .. !
هذا أيضاً مما كان يعرفه يعقوب عن ابنه يوسف غير شدة الجمال ، ومما أدركه إخوة يوسف منذ الصغر ، فهم إخوته ولا بد أن يحملوا بعض من ذكاء وحصافة يوسف، وقد يكون ذلك مما مكنهم من التنبؤ بما قد يؤول إليه مستقبله، لذلك بادروا بإلقائه في الجُّبّ في عمر مبكر، ظناً منهم بأنهم بذلك قد أوقفوا مستقبله عند تلك النقطة ، ولم يخطر ببالهم بأنها ليست أكثر من فاصلة منقوطة تحمل السببية لجملة أكثر خبراً وأعمق أثراً، وأنهم ليسوا سوى أدوات سخرها الله لصنع ذلك المستقبل الباهر .
“ما بين محسن وماكر “
فما بين { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ } و { قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ كان يوسف عليه السلام يصعد درجة بدرجة في سلم الترقية الإلهية ، المحاطة بعنايته وحده سبحانه، بينما هم غارقون في مغبة وهمّ إلقاء يوسف في الجُّب، وما تسببوا فيه من الحسرة والندامة في قلب أبيهم، فشتان مابين حال محسن وماكر مهما كان الظاهر يوحي بعكسه.
ولو ظل يوسف في حضن أبيه وحنانه الذي حسدوه عليه، لما عاد إليه وهو عزيز مصر، فليس كل سقوط نهاية ، وليس كل جُبٍّ مظلم بالضرورة يغرق ، فبعض الظلمات نور على نور، إن أراد الله لها ذلك.
للتواصل: [email protected]




بسم الله والحمدلله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين شكرا استاذه مها على مقالك المتميز شكرا على الإستدلال بقصص القرآن الكريم قصة يوسف عليه السلام من احسن قصص القرآن قال تعالى
(نحن نقص عليك احسن القصص)
وهكذا ينبغي للكاتب والكتابه الاستشهاد بقصص القرآن الكريم واخذ العبرة والعظه والوقوف عند الآيات القرآنية التي تعتبر منهاج للحياة وسورة يوسف قصه حقيقة مؤثرة فيها مواقف وعبره ذكرتها الأستاذة مها فشكرا لك ودعواتنا لجميع الزملاء والزميلات الكرام بالاهتمام بالجوانب الفكرية والتربوية والواردة في القرآن الكريم وابرازها للقراء الكرام بأسلوب سهل وسلسل،،شكرا صحيفة عنوان الإلكترونية شكرا استاذه مها وفقنا الله واياكم لما يحبه ويرضاه
حياكم الله أخي الكاتب القدير أ.يوسف الطامي ..
شكراً لمروركم الكريم وشكراً لإضافاتكم القيمة ثراء وأثر كعادتكم ..
بارك الله فيكم ونفع بكم وزادكم من فضله ..
وصلى الله وسلم على خير خلقه سيدنا ونبينا الطاهر ..