كتاب الرأي

خارج حدود “الجلباب” كيف نربي أرواحاً حرة لا نسخاً مكررة؟

✍️ عبدالله محمد الزبيدي – كاتب سعودي :

في الموروث الشعبي ظل “الجلباب” رمزاً للستر والوقار لكنه في كواليس التربية تحول إلى “قالب” يُصاغ فيه الأبناء قسراً ليكونوا نسخة مكررة من الأب أو يسعى الأب لصناعة ابنه على مقاس أحلامه وإخفاقاته .. وهذا نوعاً من “الوُأد الناعم” للفطرة فنحن غالباً ما ننسى أن الأرواح خُلقت لتبلغ مداها الخاص لا لتكون صدى لخطوات من سبقها في دروب زمنٍ ولى وانقضى ..
تَفَخَّر بـِقَديمِكَ كُلُّ نَفْسٍ .. وَلَكِنْ فَخرُ كُلِّ فَتىً بـِـنَفْسِهْ ’ المتنبي’

النفس البشرية ليست صفحة بيضاء نكتب عليها ما نشاء بل هي “بذرة” تحمل بداخلها شيفرة تميزها، ومن هنا يبرز التوجيه النبوي الخالد: ” كلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ” هذا الحديث لا يتحدث عن العقيدة فحسب بل هو تحذير من “برمجة الوالدين” العنيفة التي قد تحرف مسار الفطرة عن شغفها وميولها لتجعل من الابن نسخة كربونية تخدم “أيديولوجيا” الأب أو وجاهته الاجتماعية بدلاً من أن يكون الأبن كياناً مستقلاً يثري الوجود بخصائصه الفريدة..
إِذا أَنا لَم أُعطِ المَكارِمَ حَقَّها .. فَلا عَزَّني خالٌ وَلا ضَمَّني أَبُ ’ الشريف الرضي ’

كثير من الآباء يقع في فخ الخلط بين “البر” و”التبعية المطلقة” إن الله الذي أمر بالإحسان للوالدين هو سبحانه و تعالى الذي أرسى قاعدة المسؤولية الفردية المطلقة: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ فإذا كان الإنسان سيقف غداً فرداً ليحاسب عن سعيه: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ فمن العدل والرحمة أن يُمنح في الدنيا حق “السعي الخاص” الذي يشبهه لا السعي الذي يُرسم له في جلباب الوصاية الأبوية .
إن الابن المستقل هو الأقدر على البر عن حب واقتناع، لا عن انكسار واتباع .
و نجد ذلك جليا في تربية النبي ﷺ ” لأصحابه لا ليكونوا قوالب متشابهة بل كان صلى الله عليه و سلم خبيراً في التنقيب عن “المعادن” البشرية.. فلم يطلب من خالد بن الوليد أن يكون “حبراً” كابن عباس، ولا من حسان بن ثابت أن يكون “قائداً” كخالد، بل أطلق لكلٍّ منهم عنانه في الميدان الذي يتقنه فقد كان “الجلباب النبوي” يتسع لكل المواهب دون أن يضيق على أحد، وهو الدرس الذي يحتاجه الآباء اليوم فالابن ليس “فرصة بديلة” لتحقيق أحلام الأب المتعثرة، بل هو إنسان مكتمل الغاية والوسيلة.

إن التربية الرشيدة هي التي تدرك أن الابن “أمانة” لا “ملكية”، و”رسالة” لا “صدى” إن إجبار الأبناء على العيش في جلباب الآباء يورث مجتمعاً من الشخصيات المهتزة والنفوس المكسورة التي قد تضمر من الضغينة ما يفوق المودة.
دور المربي الحقيقي هو أن يكون “بوصلة” ترشد الطريق لا “قيداً” يحدد الخطوات.
عندما يبحث الابن عن ذاته خارج “أجندة” والده فهو لا يعلن العقوق أو التمرد بل يعلن “الوجود”.
دعوا الأبناء يغزلون أثوابهم بخيوطٍ من قيمكم الأصيلة ، ولكن بأيديهم هم ليعيشوا حياةً تشبههم ويواجهوا زمناً غير زمانكم مستحضرين قوله تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾. فالحياة لا تعود إلى الوراء والأبناء يسكنون بيوت الغد التي لا نستطيع زيارتها حتى في أحلامنا.

 للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى