هل نأكل لنعيش أم نأكل لننضبط؟

✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني:
استيقظ في كل صباح وأجلس على المائدة لأتناول وجبة الإفطار اللذيذة ، هناگ سؤال دائماً يتكرر في ذهني مع كل وجبة هل نحن نأكل لنعيش أو نأكل لأن هو مطلوب منا أن نأكل!
هل هو من أجل الإنضباط الإجتماعي أو لسد الجوع كما هو متعارف عليه.
في العصور القديمة ، كان الإنسان يأكل عندما يجد الطعام ، أو عندما يشعر بالجوع الحقيقي ، ولم تكن هناك ساعات ينظر إليها وتملي عليه متى يفتح فمه ، ولكن مع بزوغ فجر الثورة الصناعية ، تغير كل شيء وأصبح نظام الوجبات الثلاث هو القالب الذي صبت فيه حياة البشر.
فلقد كان الهدف الأول من حصر الطعام في ثلاث أوقات محددة (إفطار، غداء، عشاء) هو مواءمة جسد الإنسان مع عجلة العمل و الإنتاج ، لا يمكنك الأكل وقتما تشاء؛ بل هناك أوقات محددة ، تم حبس الجوع في إطار زمني مثلاً (استراحة الغداء) لضمان استمرارية الإنتاج. نحن لا نأكل لأننا جائعون عند الظهر، بل لأن “النظام” يسمح لنا بذلك.
هذا النظام علمنا منذ الطفولة أن الجوع ليس إشارة بيولوجية ، بل هو موعد روتيني ومقولة “الفطور أهم وجبة في اليوم” ليست حقيقة طبية مطلقة بقدر ما هي واحدة من أنجح الحملات التسويقية في التاريخ ، والتي بدأت في عشرينيات القرن الماضي لترويج حبوب الإفطار واللحوم المصنعة.
بيولوجياً، يمتلك الجسم آليات مذهلة (مثل هرمون النمو والكورتيزول) تمنحنا الطاقة في الصباح دون الحاجة لمدخلات فورية ، لكن البرمجة الثقافية جعلتنا نشعر بالضعف إذا تخطيناها.
لذلك عندما تأكل لأن الساعة قد حانت ، وليس لأن جسدك احتاج ، فأنت تعلن قبولك لأولى درجات الطاعة للنظام المؤسسي.
إن حصر النشاط الحيوي الأكثر أهمية في نمط تكراري صارم يكسر روح التمرد والعفوية في النفس البشرية ، الإنسان الذي ينتظر وجبته في وقت معلوم هو إنسان يمكن التنبؤ بسلوكه ، ومن السهل إدارته ضمن قطيع الموظفين أو الطلاب.
الوجبات الثلاث جعلت من يومنا قضبان سجن ناعمة ، ننتقل فيها من وجبة إلى أخرى بانتظار نهاية اليوم.
من الناحية الفسيولوجية ، فإن تناول وجبة دسمة في منتصف النهار (الغداء) يؤدي إلى ما يسمى بـ “غيبوبة الطعام”، هذا الخمول المؤقت يقلل من حدة التفكير النقدي أو الرغبة في التغيير ؛ فكل ما يتمناه المرء بعد الوجبة هو الاسترخاء أو العودة للعمل بهدوء بانتظار العشاء.
لقد استُخدم الطعام تاريخياً لإلهاء الشعوب ونظام الوجبات المشبعة والمتتالية يضمن بقاء الفرد في حالة من “الرضا البيولوجي” الذي يمنعه من التساؤل عن جودة حياته أو حرية وقته.
بدأ الناس يعون مالذي يحدث حولهم ونظرية الصيام المتقطع الذي يلقى رواجاً اليوم ليس صرعة حديثة ، بل هو محاولة للعودة إلى (الإيقاع البدائي) حيث كان التمثيل الغذائي يعمل بكفاءة أعلى في فترات الإنقطاع عن الطعام.
وفي الختام قد تبدو الوجبات الثلاث نظاماً صحياً أو اجتماعياً مريحاً، لكنها في العمق تمثل (العقد غير المكتوب) بين الفرد والمجتمع الحديث ، لقد جعلتنا هذه الوجبات مطيعين لأننا ربطنا بقاءنا بساعة الحائط ، وسلمنا مفاتيح جوعنا لمدير العمل أو لجرس المدرسة.
فهل نحن نأكل لنعيش ، أم نأكل لنبقى ضمن الطابور؟
للتواصل: [email protected]



