كتاب الرأي

“جصّة الوالد”.. عبقرية الخسف وسر الذهب الذي لا يصدأ

✍️عائشة السبيعي -كاتبة سعودية :

لم تكن النخلة في فلسفة الأجداد مجرد شجرة، بل كانت رفيقة الدرب وسيدة العطاء التي باحت للأرض بأسرار البقاء. هي المورد الذي لم يغب يوماً عن تفاصيل حياتنا؛ فمن شموخ جذعها استمدت بيوتنا ثباتها، ومن فيض تمرها صِيغت مفاهيم الكرم والبركة، حتى غدا “الذهب الأسود” عنواناً للبيت العامر وعماداً لا يميل. وفي “جصّة الوالد” -حفظه الله-، تجلت عبقرية التعامل مع هذا الإرث، حيث تحول سعفها وخيرها إلى منظومة هندسية فطرية تحفظ للتمر طعمه ،و بهاءه الأصيل.

تبدأ الحكاية من قلب النخلة، حيث كان الوالد يجمع سعف النخيل اليابس ويضعه في “مجرى الماء” (السواقي) لتلين وتصبح طيعة بين اليدين. وبعد أن تلين، يُنسج السعف يدوياً ليتحول إلى ما نسميه “الخسف”، ومنه تُصنع “القُلّة”؛ ذلك الوعاء الهندسي الذي يُرصّ فيه التمر رصاً محكماً حتى يخرج منه الهواء تماماً، ثم تُخاط قمتها بإحكام بـ “المسلة” “تُستخدم بشكل أساسي في “سفّ” أو خياطة السلال،” لتصبح قطعة واحدة تحمي التمر من التلف والتأكسد. بعدها تُنقل “القلل” إلى “الجصّة”، تلك الغرفة المكسوة بالجص الأبيض الذي يعمل كعازل حراري طبيعي يحمي التمر من تقلبات الجو ويحفظ له بركته.

وقد ساقتني مؤخراً تجربة شخصية أثارت في نفسي الكثير من التساؤلات والذكريات؛ فحين كنت أضع التمر في “تمرية زجاجية” داخل الثلاجة، كنت أخرجه منها بلون ذهبي لماع يسر الناظرين، ولكن بمجرد أن أضع التمرية على الطاولة لتكون في متناول اليد، كنت أكتشف تبدلاً مفاجئاً؛ إذ يفقد التمر بريقه ويتحول لونه سريعاً إلى البني الباهت. ولعل لظروف المكان، وتأثير الحرارة والرطوبة، والتعرض المباشر للضوء والهواء دوراً كبيراً في هذا التأكسد السريع الذي يسرق من التمر نضارته.

وهنا يكمن “مربط الفرس” في المقارنة؛ فبينما أحتاج اليوم إلى التبريد الصناعي وأعجز عن حفظ لون التمر خارج الثلاجة، كانت هندسة الأقدمين في “الجصّة” والرصّ المحكم داخل “الخسف” تتفوق ببراعة على كل تلك الظروف الصعبة دون أي أجهزة. لقد كان نظام الوالد يحقق عزلاً مثالياً يُبقي التمر محتفظاً بلونه الذهبي وقوامه الطازج لشهور طويلة وسط لهيب الصيف، وكأن تلك الأيدي التي رصّته بحب قد أودعت فيه سراً من أسرار الخلود.

إن العودة لوصف تلك التفاصيل ليست مجرد حنين، بل هي توثيق لذكاء جيل استطاع تطويع موارد بيئته ليصنع نظاماً مستداماً. ستبقى “جصة الوالد” وتلك القُلل التي خيطت بعرق الجبين شاهداً على زمنٍ كانت فيه البركة تحلّ حيثما وجد الإتقان، وحيثما كان التمر هو عماد البيوت وعنوان كرمها.

للتواصل: [email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى