كتاب الرأي

رفيدة الأسلمية حين تصنع الرحمة حضارة

✍️ هشام حسن نتو – كاتب سعودي:

حين تُستعرض الصفحات المضيئة في التاريخ الإسلامي، يبرز اسم الصحابية الجليلة رفيدة بنت سعد الأنصارية الأسلمية بوصفها إحدى أعظم النساء أثراً، ورمزاً خالداً للعطاء الإنساني، حتى أجمع عدد من المؤرخين والباحثين على أنها أول ممرضة وجراحة في الإسلام، وصاحبة الدور الريادي في تأسيس الرعاية الصحية الميدانية في المجتمع الإسلامي الأول.

عاشت رفيدة رضي الله عنها في المدينة المنورة، وسخرت حياتها لخدمة المسلمين، فجمعت بين الإيمان العميق، والمهارة الطبية، والإدارة الحكيمة، والرحمة الصادقة. ولم يكن حضورها عابراً، بل أسست نموذجاً متقدماً سبق كثيراً من الأنظمة الصحية المنظمة في العصور اللاحقة.

ومن أبرز إنجازاتها إنشاء ما عُرف تاريخياً بـ”خيمة رفيدة”، وهي خيمة طبية كانت تُقام قرب المسجد النبوي، لتكون مركزاً لعلاج المرضى والجرحى، وتقديم الرعاية للمحتاجين والفقراء زمن السلم والحرب. وقد اعتبرها كثير من الباحثين أول مستشفى ميداني متنقل في الإسلام.

وفي غزوة الخندق، لما أُصيب الصحابي سعد بن معاذ، أمر النبي محمد ﷺ بنقله إلى خيمتها ليكون قريباً من الرعاية والمتابعة، وهو موقف يكشف حجم الثقة التي حظيت بها، ويؤكد مكانتها الطبية والإنسانية في المجتمع النبوي.

ولم يقتصر دور رفيدة على التمريض التقليدي، بل اشتهرت ببراعتها في تضميد الجراح، وإيقاف النزيف، والتعامل مع الكسور، واستخدام الأعشاب والعقاقير المتاحة آنذاك، إضافة إلى التدخلات العلاجية العاجلة للمصابين في ميادين القتال بحسب إمكانات ذلك العصر.

كما برزت شخصيتها القيادية، إذ لم تعمل منفردة، بل قادت فريقاً من الصحابيات اللواتي تلقين التدريب والإشراف على يديها، وكانت توزع المهام بينهن بدقة، من سقاية الجرحى، وتجهيز الأدوات، ومتابعة النظافة والرعاية، مما يعكس وعياً تنظيمياً متقدماً وروح عمل جماعي نادرة في ذلك الزمن.

ومن الجوانب المشرقة في سيرتها أنها لم تنتظر مقابلاً، بل كانت تنفق من مالها الخاص لتأمين احتياجات المرضى وتجهيز الوسائل الطبية الممكنة، لتقدم درساً خالداً في التطوع والبذل والإحسان.

واليوم، ما زال اسم رفيدة الأسلمية حاضراً في المؤسسات الأكاديمية والطبية، حيث تُطلق جوائز ومبادرات باسمها في عدد من كليات التمريض والطب، تكريماً لسيرتها الملهمة، واستحضاراً لقيمها المهنية والإنسانية.

إن رفيدة رضي الله عنها لم تكن مجرد امرأة عالجت جريحاً أو داوت مريضاً، بل كانت مؤسسة لثقافة صحية متكاملة، أثبتت أن بناء الحضارات لا يكون بالسيف وحده، بل كذلك بالرحمة، والعلم، وخدمة الإنسان.

للتواصل:[email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، شكرا للأستاذ الفاضل الكاتب المبدع الاعلامي المتميز الأستاذ هشام محمد نتو مقال طيب ومتميز تضمن جوانب من سيرة الصحابية الجليلة رفيدة الاسلمية رضي الله عنها وعن جميع الصحابة والصحابيات وأرضاهم، ،هذه الصحابية الجليلة رفيدة التي تركت بصمه طيبة واثر فعال وابلت في الإسلام بلاء حسنا في جانب مهم جدا جانب الطب والتمريض والعلاج مع محدودية الامكانيات الطبية في ذالك الزمان الا انها شاكرت وبكل قوة في علاج المسلمين والمسلمات وعلى رأسهم خير البشرية محمد صلى الله عليه وسلم، فمثلا هذه الصحابية يجب على بناتنا الاقتداء بها في ترك بصمه وسيرة ذاتية تفتخر بها الإخت المسلمه التي تعتز بحجابها وتشارك في علاج وتمريض أخواتها من النساء،،
    شكرا استاذ هشام على تسليط الضوء على سيرة الصحابية الجليلة رفيدة رضي الله عنها وأرضاها،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى