بروتوكول الكلمة: أخلاقنا في زمن المنصات

✍️ ريم منصور سلطان –كاتبة سعودية :
في زمنٍ تتكاثر فيه الكلمات أكثر من المعاني لم يعد السؤال: ماذا نقول؟ إنما كيف نقول ولماذا؟ فالمنصات الرقمية لم تفتح لنا أبواب التعبير فقط،هي كشفت طبائعنا الخفية تلك التي كانت تُهذبها المواجهة وتضبطها العيون.
هناك، خلف الشاشة يتكلم البعض بخفةٍ لا تشبههم، وبجرأةٍ لا يمتلكونها في الواقع كأن المسافة تمنحهم إذنًا غير معلن ليجاوزوا فيه حدود اللباقة وحتى بعض الاحيان الإنسانية ، حدوداً ما كانوا ليقتربوا منها لو كانوا وجهًا لوجه، فتخرج الكلمات حادة، لئيمة لا لأنها صادقة بالضرورة ولكنها محمية خلف الشاشات.
ومن هنا، تبدو تلك النصيحة التي كتبها سموا الامير عبدالرحمن بين مساعد بن عبد العزيز عميقة في معناها: فقال: قبل أن ترد على أحد هنا في هذه المنصة اسأل نفسك هل سيكون ردك عليه بنفس الطريقة لو كنت تناقشه وجهًا لوجه سؤالٌ لا يقيد الحرية، هي تعيدها إلى أصلها الأخلاقي لأن الحرية التي لا يضبطها وعي، تتحول إلى فوضى، والكلمة التي لا تُراجع قد تجرح أكثر مما تُعبر أو تنفع .
لكن، هل الأمر بهذه البساطة؟ في الحقيقة، ليست كل كلمة تُقال عن بُعد كلمة ناقصة الشجاعة فثمة مشاعر وأفكار لا تجد طريقها في المواجهة المباشرة قد تكون لأن اللحظة لا تحتمل، أو لأن الصوت يرتبك عند الحضور فتصبح الكتابة مساحةً للصدق لا للهروب.
وهكذا لا يكون معيار الصدق التشابه التام بين ما نقوله حضورًا وما نكتبه غيابًا، إنما في النية التي تحملهما،هل نكتب لنفهم؟ أم لننتصر؟ هل نعلّق لنضيف؟ أم لنُقلل؟ الفرق دقيق لكنه حاسم فالكلمات التي تُكتب باحترام، تصل حتى وإن كانت ناقدة والكلمات التي تُكتب بتعالٍ تُفقد معناها حتى وإن بدت صحيحة.
ربما المشكلة ليست في البعد الجغرافي إنما في البعد الإنساني حين ننسى أن خلف كل حساب إنسانًا يشعر و يتأثر، وقد يحمل من التعب ما لا نراه، فتتحول الكلمة إلى أداة قاسية لا جسراً للتواصل.
لذلك، نحتاج أن نسأل أنفسنا: هل أكتبها بما يليق بوقار روحي الإنسانية؟ فالمواجهة ليست معيار الشجاعة الوحيد، كما أن الصمت ليس ضعفًا دائمًا أحيانًا تكون الحكمة في أن نختار كلماتنا بعناية وأن نُدرك أن كل جملة نكتبها تترك أثرًا حتى لو لم نره.
في عالمٍ يقاس بالتفاعل و بعدد الردود، يبقى التمهّل فضيلة أن نتوقف لحظة قبل أن نكتب، أن نراجع نبرة الكلمة، أن نُخفّف حدّتها إن كانت جارحة، وأن نُبقي صدقها إن كانت ضرورية فما لا نستطيع قوله وجهًا لوجه، ليس دائمًا معيبًا لكنه يحتاج أن يُقال بطريقةٍ لا تُخجلنا لو قيلت بصوتٍ مسموع.
وفي الختام لا تختبر المنصات قدرتنا على الرد والتفاعل هي تختبر إنسانيتنا ونحن نرد.
للتواصل: [email protected]



