هل الرد على الإساءة قوة ، أم أن التجاهل أبلغ؟

✍️ ناهد شما – كاتبه أردنيه:
في زحمة الحياة اليومية، نمرّ بمواقف لا نختارها، لكننا نُجبر على التعامل معها… كلمة جارحة، تصرّف مستفز، أو إساءة تأتي في غير وقتها. وهنا يقف الإنسان أمام سؤالٍ قديم متجدد: هل الرد على الإساءة قوة، أم أن التجاهل أبلغ؟
من الواقع، لا يمكن وضع قاعدة واحدة تناسب الجميع. فبعض الإساءة إن تُركت دون رد، تمادت. وبعضها إن رُدّ عليه، كبر واتّسع. لذلك، المسألة ليست “رد أو تجاهل” بقدر ما هي “متى نرد، ومتى نصمت”.
هناك مواقف يكون فيها الرد ضرورة، لا بدافع الانتقام، بل بدافع حفظ الكرامة. حين تتحول الإساءة إلى تعدٍ واضح أو استهانة متكررة، يصبح الرد الهادئ الواضح رسالة مفادها: “هنا حدّي، لا تتجاوزه”. هذا النوع من الرد ليس ضعفًا كما يظن البعض، بل هو قوة متزنة، تعرف كيف تدافع عن نفسها دون أن تنحدر إلى مستوى الإساءة.
لكن، في المقابل، كم من إساءة كانت صغيرة، فلما رُدّ عليها اشتعلت نارها؟! هناك أشخاص لا يبحثون عن حق، بل عن رد فعل. يستفزّون فقط ليشعروا بأنهم مؤثرون. في هذه الحالة، يكون التجاهل ذكاءً، لأنك تسحب منهم ما يريدون: الاهتمام. التجاهل هنا ليس هروبًا، بل اختيار راقٍ لراحة النفس.
في حياتنا اليومية، نرى ذلك بوضوح… موظف يتعرض لتعليق ساخر في العمل، فيبتسم ويتجاوزه، فينطفئ الموقف. وأخرى ترد بانفعال، فيتحول الأمر إلى خلاف طويل. وفي المقابل، شخص صمت طويلًا على إساءة متكررة، حتى فُهم صمته ضعفًا، فاضطر أخيرًا أن يضع حدًا.
إذًا، القوة الحقيقية ليست في الرد دائمًا، ولا في الصمت دائمًا، بل في القدرة على التمييز. أن تعرف متى تكون الكلمة موقفًا، ومتى يكون الصمت حكمة.
وأجمل ما في الأمر، أن الإنسان حين ينضج، لا يعود يسعى للانتصار في كل معركة، بل يختار معاركه بعناية. يدرك أن بعض الردود تُنقصه، وبعض التجاهل يرفعه. فلا كل إساءة تستحق ردًا، ولا كل صمت يُحمد.
في النهاية، الكرامة لا تُحفظ بالصوت العالي، ولا بالصمت المطلق، بل بحكمة القلب، واتزان العقل. ومن عرف متى يتكلم ومتى يسكت… فقد امتلك القوة الحقيقية.
للتواصل: [email protected]



