رحلة الطهر .. من ضجيج الشهوة إلى سكينة النبوة

✍️ عبد الله الزبيدي – كاتب سعودي:
في ردهات المسجد النبوي حيث تلفّ السكينة المكان شقَّ الصفوف شابٌّ يضطرب صدره بصراع الغريزة.. وقف أمام خير البشر ﷺ، وبجرأةٍ خدشت طهر المكان ، قال : “يا رسول الله : ائذن لي في الزنا!.
ضجّ المكان ، واستشاط الصحابة غضبًا كيف يُطلب التصريح بالخطيئة في محراب الطهر؟
لكنَّ النبي ﷺ المربي الأول واجه الجهل بحلمٍ نبويّ ، و أشار بيده الرحيمة قائلًا : “أدنُ”.
بدأت التربية النبوية هنا من “المسافة صفر” لم يزجره النبي ﷺ من بعيد بل قربه حتى مست ركبتاه ركبتيه ، و في هذا الدنو رسالة أمان صامتة “أنا أسمعك ، و لا أحتقر ضعفك”.
إن أولى خطوات الإصلاح هي الاحتواء النفسي فالمخطئ يحتاج إلى صدرٍ يضمه قبل لسانٍ ينصحه ، و كما قال الرافعي:
“إن النفس الكبيرة هي التي ترى في الضعيف نقصًا يحتاج إلى كمال ، لا عيبًا يستوجب العقاب”.
لم يجزره النبي ﷺ بكلمة “حرام” بل استدرجه بلطفٍ إلى نقاء فطرته عبر تساؤلات تهزّ الوجدان : “أتحبه لأمك؟.. لابنتك؟.. لأختك؟”
كان الشاب يجيب بـ “لا، جعلني الله فداك”، ومع كل “لا” كانت تُهدم جدران الشهوة وتُبنى قلاع العفة.
لقد استخدم النبي ﷺ الإقناع العقلاني الممزوج بالعاطفة محولًا المعصية من “لذة متخيَّلة” إلى “انتهاك لكرامة الآخرين” متمثلا قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾.
لم ينتهِ المشهد بانتصار الحجة فحسب ، بل ختمه النبي ﷺ بلمسةٍ حانية وضع يده على صدر الشاب – حيث موضع اضطراب المشاعر – ودعا له :
“اللهم طهّر قلبه ، واغفر ذنبه ، وحصّن فرجه”.
خرج الشاب وليس شيء أبغض إليه من الزنا فقد داوى النبي ﷺ مكمن الداء (القلب) فاستقامت الجوارح تبعًا له .
إن شبابنا اليوم يواجهون “طوفانًا” من المثيرات التي تلاحقهم في خلواتهم عبر شاشات لا تنام فنحن نعيش زمن تحولت المعصية من وسوسة عابرة إلى:
محتوى مُصدَّر” ترند ” يُزيّن القبح و يُغلفه ببريق الجاذبية ، و إلى ضغوط اجتماعية تمارس تحت مسميات “الحرية” و”العصرنة”.
لقد حوّلت وسائل التواصل “الخطيئة” إلى مشهدٍ متاح بنقرة واحدة ، وكسرت حواجز الحياء بـ “خوارزميات” لا تعرف القيم .
في هذا الفضاء يجد الشاب نفسه محاصرًا بنماذج وهمية تُقدس اللذة وتُهمش الفضيلة.
فلا يمكننا ترك الشباب في يمّ “السوشيال ميديا” ثم لومهم على الغرق
ألقاه في اليمّ مكتوفاً وقال له .. إياك إياك أن تبتلّ بالماءِ!
الواجب هو تعليمهم القيم قبل الغوص في لجج العالم الافتراضي .
إن غياب المنهج النبوي في الاحتواء يعني فتح الباب للانحراف ؛ فالشاب الذي لا يُحتوى من أهله، ستحتويه “التريندات” الهابطة ، فإذا وجد الشاب عند وقوعه في الزلل صراخًا يطرده ، أو حكمًا يقصيه فسيهرب إلى “العالم الافتراضي” الذي يفتح له ذراعيه بقبول زائف ومواساة مسمومة .
احتواء المخطئ لا يعني إقرار خطئه بل يعني الأخذ بيده من وحل الزلل إلى رحاب الطهر فالحق يحتاج إلى رفقٍ يحمله ، والقلوب مغاليق لا تُفتح إلا بمفاتيح الرحمة.




بسم الله والحمدلله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين شكرا لك الأستاذ الفاضل الاعلامي المتميز الكاتب الملهم عبدالله، نعم مقال طيب ومتميز تضمن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في الاحتواء العاطفي والتعليم الإيجابي والنصح الهادف والأسلوب المؤثر وهذا نبينا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم فبه نقتدي ومنه نتعلم كيف نعالج مثل هذه الشهوات المتاججة في بعض شباب الأمة من خلال ما يرونه بين ايديهم في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة من مناظر تثير الغرائز، فعلينا احتواء الشباب والفتيات وتعليمهم مخاطر أجهزة التواصل الاجتماعي التي سهلت الاتصال بين الناس ، ونذكر بعضنا البعض بغض النظر وغض البصر وحفظ الفرج عن الحرام ونسعى لتسهيل الزواج طريق العفاف وقضاء الشهوات بما احله الله من الزواج نسأل الله أن يبارك فيكم جميعا ويحفظكم جميعا ويجزاكم خير الجزاء