كتاب الرأي

جبروت “الإشراف الوافد” في الميزان: خروقات نظامية وتحدٍ سافر لقرارات التوطين

✍️حسن المقصودي-كاتب سعودي:

في الوقت الذي تخطو فيه المملكة خطوات واثقة نحو تمكين أبنائها وبناتها في سوق العمل، وبروز قصص نجاح ملهمة في الميادين الإدارية والتجارية؛ تطل برأسها ممارسات مقيتة يمارسها بعض المشرفين -لا سيما بعض الوافدين في المراكز التجارية والأسواق- الذين تجاوزوا حدود المنطق المهني، ضاربين بعرض الحائط ميثاق العمل وأخلاقياته؛ ليتحول المشهد من بيئة بناء وتنمية إلى وحل من التسلط والجبروت الذي يغرق فيه أبناؤنا.

إن ما نلحظه اليوم في بعض المواقع يتجاوز مفهوم الرقابة الإدارية إلى نوع من التلصص السلوكي؛ حيث تُستخدم كاميرات المراقبة -التي وُضعت أصلاً للأمن والسلامة- أدواتٍ لرصد أنفاس الموظفين وحركاتهم الدقيقة، ومحاسبتهم بإجراءات لا تمت للنظام بصلة. هذا التوظيف المشوه للتقنية ليس إلا تعبيراً عن إفلاس قيادي، ومحاولة بائسة لفرض سطوة نفسية تمتهن كرامة الموظف السعودي، وتدفعه نحو اليأس أو الاستقالة القسرية.

ولم يقف التجاوز عند حد التسلط الإداري، بل امتد إلى تحدي الأنظمة والتشريعات؛ إذ نرصد تواجد بعض المشرفين غير السعوديين في مواقع البيع والكشكات طوال ساعات العمل، رغم أن الأنظمة منحتهم أوقاتاً محددة للتواجد قبل وبعد ساعات العمل فقط، إلا أن البعض منهم استمرأ ممارسة عمل البيع فعلياً في مخالفة صريحة لقرارات التوطين. بل إن الأدهى من ذلك هو قيام بعضهم بعقد المقابلات الوظيفية للمتقدمين والمتقدمات في المقاهي والمطاعم خارج أسوار المنشأة الرسمية، في مشهد يفتقر للمهنية ويخالف كل اللوائح والضوابط المنظمة، مما يضع المتقدمين في موقف حرج وغير آمن وظيفياً.

أين وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية عن هذا المشهد؟ نحن لا نشكك في جهود الوزارة، لكننا ندق ناقوس الخطر حيال الفجوة الميدانية بين النص القانوني والممارسة الفعلية. إن الكثير من شبابنا يجهلون آلية التواصل مع الجهات الرقابية، أو يتملّكهم الخوف والتردد من ضياع أمنهم الوظيفي في حال تحرير الشكوى ؛ مما يجعلهم لقمة سائغة في فم هذا التسلط.

إننا بحاجة اليوم إلى وقفة حازمة تتجاوز الجولات التفتيشية الروتينية، لتشمل:

أولاً: تفعيل استبيانات قياس بيئة العمل السرية والإلزامية التي تصل إلى هاتف كل موظف، ليرصد من خلالها التجاوزات دون خوف من مراقبة المشرف.

ثانياً: إصدار لائحة صارمة تجرم استخدام كاميرات المراقبة لأغراض التنمر الإداري أو الرقابة اللصيقة على الموظف في خصوصياته المهنية.

ثالثاً: الرصد الدقيق لتواجد المشرفين غير السعوديين في منافذ البيع ومحاسبتهم على ممارسة أعمال البيع أو إجراء المقابلات في أماكن غير رسمية ومخالفة.

إن ميثاق العمل هو عهد غليظ بين الموظف والمنشأة، قوامه الحقوق والواجبات، وليس عبودية حديثة تحت مسمى الإشراف. إن حماية أبنائنا وبناتنا من هذه الجبروتية المقيتة هي حماية لمستقبل سوق العمل السعودي برمته. فالأمانة المهنية تحتم علينا ألا نصمت، والوعي القانوني هو السلاح الذي يجب أن يتسلح به كل شاب وشابة ليقولوا بملء أفواههم: كرامتنا قبل وظائفنا، والنظام فوق الجميع.

للتواصل: [email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى