كتاب الرأي

الخذلان… حين يغيب الوفاء بعد كل ما قُدِّم

✍️ أ – محمد علي كريري – كاتب سعودي:

في مسيرة الحياة ، يمر الإنسان بتجارب متعددة ، بعضها يترك في النفس أثرًا عابرًا، وبعضها الآخر يرسخ كجرحٍ عميق لا يُمحى بسهولة . ومن أقسى تلك التجارب شعور الخذلان ، حينما يقدم الإنسان وقته وجهده ومشاعره بإخلاص ، ثم يجد نفسه في لحظة ضعف أو حاجة ، وحيدًا دون سند أو تقدير ممن كان يظنهم الأقرب .

الخذلان لا يأتي من غريب ، بل غالبًا ما يكون من أشخاص كانوا جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية ، شاركونا الضحكات والهموم ، واطلعوا على أصدق نوايانا . هؤلاء تحديدا ، حين يتغير موقفهم أو يتخلون فجأة ، يترك ذلك في النفس تساؤلات كثيرة : هل كنا نبالغ في العطاء ؟ أم أننا أخطأنا في اختيار من نمنحهم الثقة ؟

ولعل أكثر ما يؤلم في الخذلان ، ليس الفعل ذاته ، بل الإحساس بعدم التقدير ، وكأن كل ما قُدِّم من تضحيات أصبح بلا قيمة ، وكأن الذاكرة اختزلت كل المعروف في لحظة جفاء واحدة . هنا يشعر الإنسان بأن مشاعره كانت في غير موضعها ، وأن الوفاء لم يكن متبادلاً كما كان يظن .

ومع ذلك ، فإن هذه التجارب ، على سوتها ، تحمل في طياتها دروسًا عميقة . فهي تعلمنا أن العطاء يجب أن يكون بحكمة ، وأن الثقة لا تُمنح بسهولة ، وأن تقدير الذات لا يجب أن يرتبط بتصرفات الآخرين . كما أنها تعيد ترتيب الأولويات ، وتكشف لنا من يستحق البقاء ، ومن كان وجوده مجرد مرحلة عابرة.

الخذلان ليس نهاية الطريق ، بل هو بداية وعي جديد . و وعي الإنسان بذاته وقيمته هو ما يمنحه القدرة على الإستمرار بثبات ، دون أن يفقد نقاءه أو إنسانيته . فليس المطلوب أن نتوقف عن العطاء ، بل أن نُحسن اختياره ، وأن نمنحه لمن يقدّره ويصونه .

في النهاية ، يبقى الأثر الحقيقي للإنسان في ما يقدمه بإخلاص، لا في ردود أفعال الآخرين . أما من يخذل ، فهو يكشف عن نفسه قبل أن يؤذي غيره ، ويترك خلفه درسًا لا يُنسى… بأن الوفاء عملة نادرة ، لا يحملها إلا القليل .

للتواصل: [email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. كم يشبه الخذلان حقاً صفعة قوية يتلقاها المرء علىٰ وجهه ..
    ليس لتؤلمه وتوجعه بقدر ما هي مرسولة لتوقظه من غفلته ..
    من إسرافه في العطاء والبذل والتضحية والتفاني مع من لا يستحقون..!
    ليس الخذلان سيئاً بمجمله فالله سبحانه وتعالىٰ لم يخلق علىٰ هذه الأرضِ شراً محضاً أبداً..لكنه جرس إنذار قوي أن فكر قبل أن تنطق وانظر قبل أن تقفز وتمهل قبل أن تعبر..
    مبدع كعادتك سيدي محمد ..دمت ودام نبضك الراقي متألقاً..
    🌧️🌹

  2. كل مبالغة مضرة لصاحبها وخاصة فيما يتعلق
    بالعطاء . ومعظم المبالغين بالعطاء هم الكرماء
    المخلصون الاوفياء الطيبون. هؤلاء عادةً ماينصدمون
    بمن كانوا في نظرهم أوائل المقربين روحاً وعطاء
    فيتأثرون نفسياً ويحاسبون انفسهم لأنهم جابوا لها العناء
    لذلك الوسطية ميزان مهم للعطاء. لاضرر ولا ضرار ولاضغوط
    دمت لنا اعلامينا المميز محمد الكريري👍

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى