ضيف الله بن طريق الدويرج الشراري… سيرة رجل لا ترحل

✍️لافي عايد الشراري – كاتب سعودي :
ما كل من يُنعى يُبكى…
ولا كل من يرحل يُذكر…
لكن هناك رجال إذا غابوا حضروا أكثر، وإذا رحلوا تكلمت عنهم المواقف قبل الكلمات.
بقلوب مؤمنة، ووجعٍ صادق، نودّع اليوم المربي الفاضل
ضيف الله بن طريق الدويرج الشراري “أبو طارق” رحمه الله.
نودّعه لا كاسمٍ يمر في خبر، بل كحكاية عمر امتدت في الناس، وكأثرٍ ثابت في الجوف، وكقيمةٍ لن تتكرر بسهولة.
كان رحمه الله من جيلٍ يعرف معنى الرسالة قبل الوظيفة، ويؤمن أن الموقع أمانة قبل أن يكون مكانة. بدأ من التعليم، حيث تُبنى القلوب قبل العقول، فكان معلّمًا يحمل علمًا، ومربيًا يغرس القيم، وإنسانًا يرى أن الكلمة مسؤولية وأن الطالب أمانة.
تدرّج في مسيرته من وكيل كلية المعلمين بالجوف، إلى عمادة القبول والتسجيل، إلى الإشراف التربوي بطبرجل، إلى رئاسته للمجلس البلدي. وكانت المناصب تكبر وهو يزداد تواضعًا، وكانت المسؤوليات تتسع وهو يزداد قربًا من الناس.
لم يكن ممن يغلقون الأبواب خلفهم، بل كان بابًا مفتوحًا لكل من قصده، حاضرًا في الميدان، يسمع ويقابل ويسهّل ويقضي الحاجات، حتى صار اسمه عنوانًا للثقة، وحضوره طمأنينة، وكلمته محل قبول.
إذا حضر هدأت النفوس، وإذا تكلم انتهى الخلاف، وإذا قرر شعر الجميع بالعدل والإنصاف، وإذا ابتسم شعر من أمامه أنه في مكانٍ آمن. كان موقفًا ثابتًا لا يتغير، لا يساوم على الحق، ولا يجامل على حساب الأمانة، ومع ذلك كان لين الجانب، قريب الروح، جميل المعشر.
وفي العمل البلدي لم يكن رقمًا يُضاف، بل رأيًا يصنع الفرق، وصوتًا للعقل، وحضورًا للتوازن. يرى التنمية مسؤولية، ويرى الناس شركاء، فترك أثرًا يشهد له به القريب قبل البعيد.
أما في التعليم فحدّث ولا حرج؛ طلاب كُثر مرّوا عليه فخرجوا بعلمٍ وأدب، وزملاء عملوا معه فتعلموا من خلقه قبل خبرته، وقرارات صدرت عنه حملت العدل والإنصاف، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بالثقة قبل أي شيء.
ثم جاءت أيام المرض، لتكشف معدن رجلٍ لا يتغير، فلم يُعرف منه تذمر ولا جزع، بل صبر ورضا وثبات. كان يبتسم رغم الألم، ويمنح الطمأنينة لمن يزوره، حتى كأن المرض زاده صفاءً وقربًا وتسليمًا.
رحل أبو طارق…
لكن الرجال لا تُقاس أعمارهم بعدد السنين، بل بما يتركونه من أثر.
رحل الجسد… لكن بقي في دعوة ملهوف، وفي ذكرى طالب، وفي شهادة زميل، وفي كل موقف قال فيه الحق أو وقف فيه مع الناس.
رحل… لكن الجوف لم تفقد رجلًا فقط، بل فقدت سيرة عطاء، ومدرسة أخلاق، ووجهًا كان يبعث الطمأنينة في كل من يراه.
نعزّي أبناءه الكرام، الذين فقدوا أبًا عظيمًا، لكنه ترك لهم إرثًا لا يُشترى: سيرة طيبة، وذكرًا حسنًا، وسمعة يُرفع بها الرأس.
ونعزّي قبيلة الشرارات، التي فقدت واحدًا من رجالها الذين يُفتخر بهم.
ونعزّي الجوف كلها، فالفقد فيها عام، والحزن عليه مشترك.
رحمك الله يا أبا طارق…
رحم الله رجلًا لم يعش لنفسه، بل عاش للناس فبقي في الناس.
رحم الله رجلًا لم يطلب الذكر، فجاءه الذكر بعد رحيله من كل مكان.
اللهم اغفر له وارحمه، واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، ونوّر له فيه، وارفع درجته في عليين، واجزه عن علمه وتربيته وخدمته للناس خير الجزاء، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون…
ويبقى الأثر… إذا رحل



