فُقَّاعَةُ الشهرةالزائفة!!

✍️أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي كَاتِبٌ صَحَفِيٌّ، وَمُذِيعٌ تَلْفَزِيُونِي:
أصبحت الشهرة هاجساً عند الكثيرين، وشُغلَهم الشاغل الذي يطغى على كل شيء، فلم تعد مجرد رغبة طبيعية في التقدير بل تحولت إلى غاية تُبرِّر كل وسيلة، حتى لو كان الثمن تجاوز القيم والعادات والتقاليد، والركض خلف كل ما هو غير مألوف فقط لأنه يجلب المشاهدات. في الماضي كانت الشهرة نتيجة للإنجاز، فيُعرف الإنسان بعلمه أو فنه أو موقف شجاع، أما اليوم فقد انقلبت المعادلة فصار البعض يبحث عن الإنجاز لأنه يجلب الشهرة، وإن لم يجد إنجازاً اخترع فضيحة، وقد حوَّلت منصات التواصل الأضواء من جائزة تُمنح إلى حقٍّ يُكتسب، فأصبح الظهور هو الهدف والمحتوى مجرد وسيلة مهما كان فارغاً أو مستفزاً. والمشكلة ليست في حب الظهور بحد ذاته فهو غريزة بشرية، ولكن المشكلة حين يتحول إلى هَوَسٍ يُعمي البصيرة فيدفع صاحبه إلى كسر كل الخطوط الحمراء، فنرى من يتعرى من قيمه قبل أن يتعرى من ملابسه، ومن يفتعل المشاكل مع أهله، ومن يسخر من ثوابت مجتمعه، فقط ليتصدر المشهد ساعات قليلة. وقد ساعد على هذا الهَوَس وهمُ السهولة الذي أوحى بأن صورة واحدة أو مقطعاً لا يتجاوز خمس عشرة ثانية قد يصنع نجماً بين ليلة وضحاها، فصار طريق الشهرة يبدو أقصر من طريق العلم والعمل، كما أصبح مقياس الرقم هو مِعيار القيمة، فالإنسان يُقاس بعدد المتابعين لا بالأخلاق، وهذا خلل مخيف في سُلَّم القيم، يضاف إليه ثقافة الخوف من الخفاء التي ضغطت على جيل كامل فصار الخوف من أن يكون الإنسان عادياً أكبر من خوفه من الخطأ. وحين تصبح الشهرة هي البوصلة نخسر أشياء لا تُشترى، نخسر الخصوصية فتصبح البيوت مكشوفة والحياة مَشاعاً، ونخسر الصدق لأن ما يجلب التفاعل هو المبالغة والادعاء، ونخسر الهوية عندما يتخلى الشخص عن لهجته وعاداته وقيمه ليرضي ذوقاً عالمياً لا يشبهه، والأخطر من ذلك أننا نُنتج قدوات مُشوَّهة، فالمراهق الذي يرى التافه يُصفَّق له والعالم يُتجاهل، سيفهم الرسالة فوراً بأن الفراغ يبيع، وهكذا نصنع مجتمعاً يركض خلف القشور ويزدري الجوهر. ومع ذلك ليست كل شهرة مذمومة، فالشهرة سلاح ذو حدَّين، وهناك من استخدمها لنشر العلم ودعم القضايا وتغيير الواقع، والفرق يكمن في السؤال لماذا تشتهر، هل لتضيف قيمة أم لتستهلك قيمة، هل تصعد بالناس أم تصعد على أكتافهم، فالشهرة التي تُبنى على احترام الذات والآخرين وتضيف للمجتمع ولا تهدم ثوابته هي شهرة تُحترم، أما الشهرة التي تُشترى بالإسفاف وكسر المألوف لمجرد المخالفة فهي فُقَّاعة صابون سرعان ما تتبخر، عالية اليوم ومنسية غداً، لأن أغلب الشهرة في وقتنا الحاضر لا تعدو كونها ومضة عابرة لا تحمل في داخلها ما يُسنِدُها من فكر أو قيمة، فتظهر فجأة وتختفي فجأة كأنها لم تكن. والهَوَس مرض والشهرة عَرَض، ولا بأس أن يطمح الإنسان أن يكون مؤثراً، لكن عليه أن يسأل نفسه مؤثراً في ماذا، فلو انطفأت الكاميرا واختفى المتابعون ماذا سيبقى منه، إن القيم والعادات والتقاليد ليست قيوداً تكسرها لتطير، بل هي جذور تمسكك حتى لا تأخذك الريح، فتمسَّك بها واصعد إن استطعت، ولكن لا تصعد وأنت تخلعها قطعة قطعة، لأنك في النهاية ستكتشف أنك وصلت إلى القمة ولكنك عارٍ، فاختر هل تريد شهرة تصنعك أم شهرة تستهلكك.
للتواصل مع الكاتب:[email protected]



